رواه عن قتادة غيرَ سعيد بن بشير، وقال مرة فيه: عن خالد بن دُرَيك عن أمّ سَلَمة بدل عائشة. انتهى.
وكل واحدة من هاتين العلتين تمنع من الاحتجاج به لو انفردت، فكيف وقد اجتمعتا فيه.
وأيضًا فهذا الحديث مُعارَض بالحديث الصحيح عن جرير بن عبدالله رضي الله عنه، قال: سألتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نظر الفُجَاءة فأمرني أن أصِرف بصري.
ولو كان النظر إلى وجه المرأة الأجنبية جائزًا لما كان للسؤال عن نظر الفُجاءة معنى، ولما أمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بصَرْفَ البصر عمن وقَعَ النظرُ عليها فُجَاءة.
وقد كان إسلامُ جرير رضي الله عنه في رمضان سنةَ عشرٍ من الهجرة [1] .
وأيضًا فقد تقدم [2] عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان الرُّكبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُحرِمات، فإذا حاذَوْنا سدَلَتْ إحدانا جلبابَها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه. رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارقطني ورواه ابن ماجه أيضًا عن عائشة رضي الله عنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه.
وتقدم أيضًا [3] عن أم سَلَمة رضي الله عنها قالت: كنا نكون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن مُحرِمات، فيمر بنا الراكبُ فتَسدُلُ المرأةُ الثوبَ من فوقِ رأسِها على وجهها. رواه الدارقطني في سننه.
وتقدم أيضًا [4] عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: كنا نُغطِّي وجوهَنا من الرجال، وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام. رواه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وتقدم أيضًا [5] عن فاطمة بنت المنذِر أنها قالت: كنا نُخمِّرُ وجوهَنا ونحن مُحرِمات، ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، رواه مالك في موطَّئه.
وهذه الأحاديث الصحيحة مُعارِضةٌ لما في حديث خالد بن دُرَيك، فإنه لو كان صحيحًا ومعمولًا به، لما كان النساءُ يُغطِّين وجوهَهن عن الرجال الأجانب، ولا سيما في حال الإحرام.
(1) أي قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بخمسة أشهر.
(2) في ص 83.
(3) في ص 84.
(4) في ص 103.
(5) في ص 104.