والآيات والأحاديث والآثار التي تقدَّم ذكرهُا في الفصول الثلاثة قبل هذا الفصل، كل منها يَرُدُّ ما في حديث خالد بن دُرَيك.
وعلى تقدير ثبوتِه فهو محمول على أنه كان قبل الأمر بالحجاب، فيكون منسوخًا، لما تقدم عن عائشة وأم سَلَمة وأسماء بنت أبي بكر وفاطمة بنت المنذر أنهن كنَّ يغطِّين وجوهَهن عن الرجال الأجانب في حال الإحرام، ولقول عائشة رضي الله عنها: تَسدُل المُحرِمةُ جِلبابَها من فوقِ رأسِها على وجهها.
وإذا كان النساء يُغطِّين وجوهَهن عن الرجال الأجانب في حال الإحرام، فكذلك في غيره بطريق الأولى والأحرى، والله أعلم.
2 -وأما حديث جابر رضي الله عنه، فليس فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى تلك المرأة سافرةً بوجهها وأقرَّها على ذلك، حتى يكون فيه حجة لأهل السفور.
وغايةُ ما فيه أنَّ جابرًا رضي الله عنه رأى وجه تلك المرأة، فلعلَّ جلبابَها انحسر عن وجهها بغير قصد منها، فرآه جابر وأخبر عن صفته.
ومن ادَّعى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد رآها كما رآها جابر وأقرَّها فعليه الدليل.
ومما يدل على أن جابرًا رضي الله عنه قد انفرد برؤية وجه المرأة التي خاطبت النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنَّ ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبا هريرة وأبا سعيد الخدري رضي الله عنهم: رووا خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - وموعظتَه للنساء، ولم يَذكر واحدٌ منهم ما ذكره جابر رضي الله عنه من سُفورِ تلك المرأة وصِفَةِ خَدَّيها.
فأما حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، فرواه الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «يا معشر النساء تَصدَّقْنَ ولو مِن حُلِيِّكن، فإنكن أكثَرُ أهل جهنم» . فقالت امرأة ليسَتْ من عِلْيَةِ النساء: وبمَ يا رسول الله نحن أكثر أهل جهنم؟ قال: «إنكن تُكثرن اللَّعنَ، وتَكْفُرن العَشِير» [1] . زاد الحاكم في روايته «وما وُجِدَ من ناقِصِ الدِّين والرأي أغلَبَ للرجال ذوي الأمر على أمورهم: من النساء» . قالوا: وما نَقْصُ دينهن ورأيِهِنَّ؟ قال: «أما نَقْصُ رأيهن فجُعِلَتْ شهادةُ امرأتين بشهادة رجل، وأما نَقْصُ دينهن فإنَّ إحداهن تقعُدُ ما شاء الله من يوم وليلة ولا تَسجُد لله سجدة» . قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
(1) أي الزوج: أي يجحدن إحسان أزواجهن. لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئًا: قالت: ما رأيت منك خيرًا قط.