الصفحة 49 من 104

صحيحيهما، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، وقال الهيثمي: رجال الطبراني موثَّقون؛ وقال المنذري: رجاله رجال الصحيح. قلت: وكذا رجالُ البزَّار وابن أبي الدنيا.

وهذا الحديث دال على أن جميع أجزاء المرأة عورة، في حق الرجال الأجانب، وسواء في ذلك وجهُها وغيرهُ من أعضائها.

وقد نقل أبو طالب عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: ظُفر المرأةِ عورة، فإذا خرجَتْ مِن بيتها فلا تُبِنْ منها شيئًا ولا خُفَّها، فانَّ الخُفَّ يَصِفُ القدم، وأحَبُّ إليَّ أن تجعل لِكُمِّها زِرًّا عند يَدِها، حتى لا يَبيِن منها شيء.

وظاهرُ هذه الرواية [1] أن المرأة كلها عورة في حق الرجال الأجانب، فلا يجوز لها أن تُبدِيَ عندهم شيئًا من جسدها حتى ولا الظُّفر.

وقد تقدم ما ذكره شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى، عن أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: كلُّ شيء منها عورة حتى ظُفرُها. قال الشيخ: وهو قول مالك. انتهى [2] .

الحديث الثاني والعشرون: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «من جَرَّ ثوبَه خُيَلاءَ لم يَنظُر الله إليه يوم القيامة» . فقالت أمُّ سَلَمة رضي الله عنها: فكيف يَصنَعُ النساءُ بذيُولهن؟ قال: «يُرخِين شِبْرًا» . فقالت: إذًا تنكشِفُ أقدامُهنَّ، قال: «فيُرخِينَهُ ذِراعًا لا يَزِدَنْ عليه» . رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، قال: وفي الحديث رُخْصة للنساء في جَرِّ الإزار لأنه يكون أستَرَ لهن. وقال البيهقي: في هذا دليل على وجوب سَتْرِ قَدَميها.

وفي رواية لأحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رَخَّص للنساء أن يُرخِينَ شِبرًا، فقلن: يا رسول الله إذًا تنكشف أقدامُنا، فقال: «ذِراعًا ولا تَزِدْنَ عليه» .

وفي رواية له أخرى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ نساءَ النبي صلى الله عليه و سلم سألَنْه عن الذَّيْل، فقال: «اجعَلْنَهُ شِبْرًا» . فقُلْنَ: إنَّ شِبْرًا لا يَستُر من عورةٍ، فقال: «اجعَلْنَهُ ذِراعًا» . فكانت إحداهن إذا أرادت أن تتخذ درِعًْا، أرخَتْ ذِراعًا فجعلَتْه ذَيْلًا.

وفي هذا الحديث والحديثين بعده دليلٌ على أن المرأة كلّها عورة في حق الرجال الأجانب، ولهذا لما رَّخص النبي - صلى الله عليه وسلم - للنساء في إرخاء ذيُولهن شِبرًا، قلن له: إنَّ شبرًا لا يَستُر من عورة. والعورةُ ها هنا القَدَم، كما هو واضح من باقي الروايات عن ابن عمر وأم سَلَمة رضي الله عنهم.

(1) أي التي نقلها أبو طالب عن الإمام أحمد.

(2) تقدم ذلك في ص 72.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت