وفي هذا الحديث والحديثين قبله دليلٌ على مشروعية احتجاب النساء من الرجال الأجانب، ولهذا أنكروا على محمد بن مَسْلَمة رضي الله عنه لمَّا أخبرهم أنه تخبأ لمخطوبته حتى نَظَر إليها وهي لا تَشعُر، فأخبرهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد رَخَّص في ذلك للخاطب.
وكذلك المغيرة بن شعبة رضي الله عنه لمَّا طلَبَ النظر إلى المخطوبة كرِهَ ذلك والدها، وأعظمَتْ ذلك المرأةُ وشددت على المغيرة، ثم مكَّنته من النظر إليها طاعةً لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ولو كان الاحتجابُ غيرَ مشروع لنساء المؤمنين، لما أنكروا على محمد بن مَسْلَمة رضي الله عنه صنيعَه، ولما شدَّدت المرأة على المغيرة لمَّا طلَبَ النظرَ إليها، ولمَاَ كَرِه أبواها ذلك، والله أعلم.
وفي هذه الأحاديث أيضًا بيانُ ما كان عليه نساء الصحابة رضي الله عنهم، من المبالغة في التستر من الرجال الأجانب، ولهذا لم يتمكن جابر ومحمد بن مَسْلَمة رضي الله عنهما من النظر إلى المخطوبة إلا من طريق الاختباءِ والاغتفال، وكذلك المغيرة لم يتمكن من النظر إلى مخطوبته إلا بعد إذنها له في النظر إليها.
فليتَأمَّلْ ذلك المفتونون بسفور النساء وتكشفهن بين الرجال الأجانب، وليتقوا الله في أمورهم عامة وفي نسائهم خاصة، وليعلموا أنهم مسئولون عنهن يوم القيامة، وليحذروا أن يكونوا ممن قال الله تعالى فيهم: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [1] .
الحديث العشرون: عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «لا تُباشِره المرأةُ المرأةَ فتنَعتَها لزوجها، كأنه يَنظُرُ إليها» . رواه الإمام أحمد والبخاري وأهل السنن إلا ابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وفي نهيه - صلى الله عليه وسلم - المرأةَ أن تباشر المرأةَ فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها، دليلٌ على مشروعية احتجاب النساء من الرجال الأجانب، وأنه لم يَبق للرجال سبيلٌ إلى معرفة الأجنبيات من النساء إلا من طريق الصِّفَة أو الاغتفال ونحوِ ذلك، ولهذا قال: كأنه يَنظُرُ إليها، فدَلَّ على أنَّ نظر الرجال إلى الأجنبيات ممتنع في الغالب، من أجل احتجابهن عنهم، ولو كان السفور جائزًا لما كان الرجال يَحتاجون إلى أن تُنعَتَ لهم الأجنبيات من النساء، بل كانوا يستغنون بنظرهم إليهن، كما هو معروف في البلدان التي قد فشا فيها التبرجُ والسفور.
الحديث الحادي والعشرون: عن عبدالله بن مسعود أيضًا رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المرأةُ عورة» . رواه الترمذي والبزَّار وابن أبي الدنيا والطبراني وابن خُزَيمة وابن حِبان في
(1) من سورة النساء: 115.