قال أبو بَرْزَة رضي الله عنه: «وكان - يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - يَنفتِلُ من صلاة الغداة حين يَعرِفُ الرجلُ جلَيسه» . متفق عليه.
قال الداودي في قوله: ما يُعرَفْنَ من الغَلَس: معناه لا يُعرَفْنَ أنِساءٌ أم رجال؟ أي لا يَظهر للرائي إلا الأشباح خاصَّة.
وقيل: لا يُعرَفُ أعيانهن، فلا يُفرَّق بين خديجة وزينب. قال النووي: وهذا ضعيف لأن المتلفِّعة في النهار لا يُعرَفُ عينُها، فلا يَبقى في الكلام فائدة.
وقولُ النووي هذا مع ما تقدم عن أئمة اللغة في تفسير التلفع: يؤيد ما ذكرُته من مبالغةِ نساء الصحابة رضي الله عنهم في التستر وتغطيةِ وجوههن عن الرجال الأجانب.
ويؤيد ذلك أيضًا ما تقدم عن عائشة رضي الله عنها [1] ، أنها ذكَرتْ نساءَ الأنصار وفَضْلَهنّ، وأنهن لما أُنزلَتْ سورةُ النور {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} قامت كلُّ امرأة منهن إلى مِرطها، فاعتَجرَتْ به، فأصبحن وراء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معتجراتٍ كأن على رؤوسهن الغِربان. رواه ابن أبي حاتم.
وقد تقدم تفسيرُ الاعتجار [2] وأنه لَفُّ الخمار على الرأس مع تغطية الوجه.
الحديث العاشر: عن أم عطية رضي الله عنها قالت: «أَمَرَنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن نُخرِجهن في الفِطرِ والأضحى: العَوَاتقَ والحُيِّضَ وذَوَاتِ الخُدور [3] . فأما الحُيَّضُ فيعتزلن الصلاةَ، ويَشهدن الخيرَ ودعوةَ المسلمين. قلت: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب، قال: لتُلْبِسْها أختُها من جِلبابها» . رواه الإمام أحمد والشيخان وأهل السنن.
وقد تقدم تفسيرُ الجلباب قريبًا [4] ، وأنه ما يُغطي الرأس والوجه. ويأتي مَزِيدٌ لذلك في حديث ابن عباس رضي الله عنهما الذي وَصفَ فيه التجلبب [5] .
الحديث الحادي عشر: عن عائشة رضي الله عنها قالت: أومأتْ امرأة من وراء سِتر، بيدها كتابٌ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقبَضَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَدَه، فقال: «ما أدري أيَدُ رَجُلٍ أم يَدُ امرأة؟»
(1) في ص 59 - 60.
(2) في ص 60.
(3) العواتق: جمع عاتق، وهي المرأة الشابة أول ما تدرك. وقيل هي التي قاربت البلوغ.
والحيَّض: جمع حائض. وذوات الخدور، المراد به: من يقل خروجهن من البيوت.
(4) في ص 63 - 64.
(5) انظره في الفصل السابع الآتي وهو الحديث الثالث.