الصفحة 42 من 104

أراد وجوبَ كشفه، فقولُه ليس بحجة ما لم يَثبت عن صاحب الشرع أنه قال ذلك وأراد به وجوب كشف الوجه. ولا سبيل إلى واحدٍ من الأمرين.

وقد قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: كنا إذا مَرَّ بنا الرُّكبان سَدَلَتْ إحدانا الجلبابَ على وجهها.

ولم تكن إحداهن تتخذُ عُودًا تجعله بين وجهها وبين الجلباب، كما قاله بعض الفقهاء. ولا يُعرف هذا عن امرأة من نساء الصحابة ولا أمهات المؤمنين البتة لا عملًا ولا فتوى، ومستحيلٌ أن يكون هذا من شِعار الإحرام، ولا يكونَ ظاهرًا مشهورًا بينهن يعرفه الخاص والعام.

ومن آثر الإنصاف وسَلكَ سبيلَ العلم والعدل، تبيَّن له راجحُ المذاهب من مرجوحها وفاسُدها من صحيحها، والله الموفق والهادي. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.

ونقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري عن ابن المنذر أنه قال: أجمعوا على أن المرأة المحرِمة تَلبس المَخِيطَ كلَّه والخِفَافَ، وأنَّ لها أن تَغطَّي رأسَها وتَستُرَ شعرَها إلا وجهَها، فتَسدل عليه الثوبَ سدلًا خفيفًا تستتر به عن نظر الرجال الأجانب، ولا تُخمِّره إلا ما رُوي عن فاطمة بنت المنذر قالت: كنا نُخمِّر وجوهَنا ونحن مُحرِمات مع أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما تعني جَدَّتها.

قال: ويحتمل أن يكون ذلك التخميرُ سَدْلًا، كما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا مَرَّ بنا رَكْبٌ سدَلْنا الثوبَ على وجوهنا ونحن مُحرِمات، فإذا جاوزونا رفعناه. انتهى.

ويؤخذ مما ذكره من الإجماع مع الحديثِ الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما، ومع حديثِ عائشة، وحديثِ أسماء رضي الله عنهما: أنَّ على غير المُحرِمَات من تغطيةِ الوجوه والتستِر عن نظر الرجال الأجانب مِثلَ ما على المُحْرِمات أو أعظم، والله أعلم.

الحديث الخامس: عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان الرُّكبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُحرِمات، فإذا حاذَوْنا سَدَلَتْ إحدانا جلبابَها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه. رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارقطني.

ورواه ابن ماجه أيضًا عن عائشة رضي الله عنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه، وبوَّب عليه أبو داود بقوله: «باب في المُحرِمة تُغطِّي وجهَها» . وبوَّب عليه ابن ماجه بقوله: «باب المُحرِمة تَسدُلُ الثوبَ على وجهها» . وهذا التبويب مُفِيد بما فهمه أبو داود وابن ماجه من عموم الحكم لجميع نساء المؤمنين. وسيأتي عن ابن عباس وعائشة وأسماء رضي الله عنهم ما يؤيد ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت