الصفحة 41 من 104

وقال ابن القيم أيضًا في «إعلام الموقعين» : ومن ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تَنتقِبُ المرأة ولا تَلْبَسُ القُفَّازين» . يعني في الإحرام، فسوَّى بين يديها ووجهها في النهي عما صُنِعَ على قَدْرِ العضو، ولم يمنعها من تغطية وجهها ولا أمَرَها بكشفه البتة.

ونساؤه - صلى الله عليه وسلم - أعلم الأمة بهذه المسألة، وقد كُنَّ يَسدُلن على وجوههن إذا حاذَاهن الرُّكبان، فإذا جاوزوهن كَشَفْن وجوههن.

ورَوى وكيع عن شعبة عن يزيدَ الرِّشْك عن مُعاذة العَدَوية قالت: سألتُ عائشة رضي الله عنها ما تَلبَسُ المُحْرِمة؟ فقالت: لا تنتقب، ولا تَتلثَّم، وتَسْدُل الثوبَ على وجهها.

ثم ذَكَر ابن القيم رحمه الله تعالى قولَ الذين يمنعون المُحرمِة من تغطية وجهها، ورَدَّ عليهم، إلى أن قال:

فكيف يَحرُمُ سَتْرُ الوجه في حقّ المرأة، مع أمرِ الله لها أن تُدني عليها من جلبابها، لئلا تُعرَف ويُفتَتن بصورتها؟

وذكر ابن القيم أيضًا في «بدائع الفوائد» سؤالًا في كشف المرأة وجهها في حال الإحرام وجوابًا لابن عقيل في ذلك، ثم تعقَّبه بالرد فقال: سبَبُ هذا السؤال والجواب خَفاءُ بعض ما جاءت به السُّنَّةُ في حق المرأة في الإحرام، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يَشرع لها كشفَ الوجه في الإحرام ولا غيرَه وإنما جاء النصُّ بالنهي عن النِّقاب خاصّة، كما جاء بالنهي عن القُفَّازين، وجاء بالنهي عن القميص والسراويل.

ومعلوم أن نهيه عن لبس هذه الأشياء، لم يُرِد أنها تكون مكشوفة لا تُستَر البتة، بل قد أَجمع الناسُ على أن المُحرِمة تَستر بَدنَها بقميصها ودِرْعِها، وأنَّ الرجل يَستر بدنَه بالرِّداءِ وأسافلَه بالإزار، مع أن مَخرج النهي عن النَّقاب والقُفَّازين والقميص والسراويل واحد.

وكيف يُزاد على موجَب النص ويُفهَمُ منه أنه شَرعَ لها كشفَ وجهها بين الملأ جهارًا؟ فأيُّ نصٍ اقتَضى هذا أو مفهومٍ أو عمومٍ أو قياسٍ أو مصلحة؟ بل وَجْهُ المرأة كبَدَن الرجل، يَحرم ستره بالمفصَّل على قَدْره كالنقاب والبُرقع، بل وكيَدِها يَحرُم سترُها بالمفصَّل على قدر اليَد كالقُفَّاز، وأما سَترُها بالكُمّ وسَترُ الوجه بالملاءة والخمار والثوب فلم يُنْهَ عنه البتة.

ومن قال: إنَّ وجهها كرأس المُحْرِم، فليس معه بذلك نص ولا عموم، ولا يصح قياسُه على رأس المُحْرِم، لما جَعَل الله بينهما من الفرق.

وقولُ من قال من السلف: إحرامُ المرأة في وجهها، إنما أراد به هذا المعنى، أي لا يَلزمها اجتنابُ اللباس كما يَلزم الرجل، بل يَلزمُها اجتنابُ النِّقاب، فيكون وجهها كبَدَن الرجل؛ ولو قُدِّر أنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت