الصفحة 40 من 104

وفي الرواية الأخرى: «فإني أكره أن يَسقط منك خِمارُك ... فيرى القومُ منك بعض ما تكرهين» .

الحديث الرابع: عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تَنْتَقِبُ المرأة المُحْرِمة، ولا تَلْبَسُ القُفَّازين» . رواه الإمام أحمد والبخاري وأهل السنن إلا ابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: هذا مما يدل على أن النِّقابَ والقُفَّازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يُحْرِمْنَ، وذلك يقتضي سَتْرَ وجوهِهنَّ وأيديِهن.

وقال الشيخ أيضًا: ووَجْهُ المرأة في الإحرام فيه قولان في مذهب أحمد وغيره، قيل: إنه كرَأْس الرجل فلا يُغَطَّى، وقيل: إنه كبَدَنِه فلا يُغَطَّى بالنِّقاب والبُرقع ونحوِ ذلك مما صُنِع على قَدْره؛ وهذا هو الصحيح فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينه إلا عن القُفَّازين والنِّقاب.

وكُنَّ النساءُ يُدنين على وجوههن ما يَسترها من الرجال من غير وضع ما يجافيها عن الوجه، فعُلِمَ أنَّ وجهها كبَدَن الرجل، وذلك أن المرأة كلها عورة، فلها أن تغطي وجَهها ويديها [1] لكن بغير اللباس المصنوع بقدر العضو، كما أن الرجل لا يَلبس السَّراويل ويَلبس الإزار. انتهى.

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في تهذيب السنن: وأما نهيه - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عمر رضي الله عنهما المرأةَ أن تَنتقِب، وأن تَلبَس القُفَّازين، فهو دليل على أن وجه المرأة كبَدَنِ الرجل لا كَرأْسِه، فيَحرُم عليها فيه ما وُضِعَ وفُصِّل على قدر الوجه كالنِّقاب والبُرْقُع، ولا يَحرُم عليها سَتْرُه بالمِقْنَعةِ والجِلباب ونحوهما، وهذا أصحُّ القولين، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - سَوَّى بين وجهها ويديها، ومنَعَها من القُفَّازين والنِّقاب.

ومعلوم أنه لا يَحرُم عليها سَتْرُ يديها، وأنهما كبدن المُحْرِم يَحرُم سَتْرُهما بالمُفَصَّل على قَدْرهما، وهما القُفَّازان، فهكذا الوجه إنما يَحرُمُ ستره بالنقِّاب ونحوه. وليس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حَرْفٌ واحد في وجوب كشف المرأة وجهها عند الإحرام إلا النهيُ عن النِّقاب، وهو كالنهي عن القُفَّازين، فنسبةُ النِّقابِ إلى الوجه كنسبةِ القُفَّازين إلى اليد سواء، وهذا واضح بحمد الله.

وقد ثبَتَ عن أسماء أنها كانت تُغطيِ وجهها وهي مُحْرِمة، وقالت عائشة رضي الله عنها: كان الرُّكبانُ يَمرون بنا ونحن مُحْرِماتٌ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا حاذَوْا بنا سَدَلَتْ إحدانا جِلبابَها على وجهها فإذا جاوَزُونا كشفناه. ذكره أبو داود.

(1) أي في حال الإحرام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت