الصفحة 39 من 104

الفصل

وأما الأدلة من السنة على مشروعية استتار النساء عن الرجال الأجانب ففي عدة أحاديث:

الحديث الأول منها: حديثُ عائشة رضي الله عنها قالت: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَستُرني برِدائه، وأنا أنظر إلى الحَبَشة يلعبون في المسجد» متفق عليه [1] .

الحديث الثاني: حديثُ أم سَلَمة رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمَرَها وميمونةَ أن يَحتجبا من ابن أم مكتوم» . رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه. وقد تقدم إيراده بتمامه قريبًا [2] ، وبوَّب عليه الترمذي بقوله: «باب ما جاء في احتجاب النساء من الرجال» . وهذا التبويب مُفِيدٌ بما فهِمَه الترمذي من عموم الحكم لجميع نساء هذه الأمة، وأنه ليس خاصًا بأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، والخطاب وإن كان قد وقع معهن فغيرُهن تَبَعٌ لهن، والله أعلم.

الحديث الثالث: حديثُ فاطمة بنت قيس رضي الله عنها «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمَرها أن تَعتَدَّ في بيت أم شَرِيك، ثم قال: تِلكِ امرأةٌ يغشاها أصحابي، اعتَدِّي عند ابن أم مكتوم فإِنه رجل أعمى تَضعين ثيابَكِ عنده» ، الحديث. رواه مالك والشافعي وأحمد ومسلم وأبو داود والنسائي.

وفي رواية لمسلم: «فإنكِ إذا وضعتِ خِمارَك لم يَرك» . وفي رواية لأحمد نحوه.

وفي رواية للنسائي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها: انطلقي إلى أم شريك». وأمُّ شَرِيك امرأة غَنِيَّةٌ من الأنصار عظيمةُ النَّفَقَةِ في سبيل الله عز وجل، يَنزلُ عليها الضِّيفانُ، قلت: سأفعل، قال: «لا تفعلي فإن أمَّ شَرِيك كثيرةُ الضِّيفان، فإني أكره أن يَسقُطَ منك خِمارُك، أو يَنكشفَ الثوبُ عن ساقيك، فيرَى القومُ منك بعض َما تكرهين» الحديث.

وفيه دليل على أنه لا يجوز للمرأة وضعُ ثيابها عند البصير من الرجال الأجانب، وذلك يقتضي سَتْرَ وجهها وغيره من أعضائها عنهم، لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث: «فإنك إذا وضعتِ خماركِ لم يركِ» .

(1) أي رواه البخاري ومسلم في صحيحهما واتفقا على روايته.

(2) في ص 48، وتمامه كما جاء هناك: «عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم - وكان رجلًا أعمى -، وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: احتجبا منه، فقلنا: يا رسول الله: أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت