الصفحة 38 من 104

وظاهر هذه العبارة يقتضي أنه لا فرق بين المصلِّية وغيرها، فكل من كانت بحضرة الرجال الأجانب فعليها أن تستر وجهها عنهم، سواء كانت في صلاة أو لم تكن.

وقال شيخ الإسلام أيضًا: وبالجملة فقد ثبَتَ بالنص والإجماع أنه ليس عليها في الصلاة أن تلبس الجلباب الذي يَسترها إذا كانت في بيتها، وإنما ذلك إذا خرجت، وحينئذ فتصلي في بيتها وإن بَدَا وجهُها ويداها وقدماها، كما كُنَّ يمشين أولًا قبل الأَمْر بإِدناء الجلابيب عليهن. فليست العورةُ في الصلاة مرتبطةً بعورة النظر لا طردًا ولا عكسًا.

إلى أن قال: ولهذا أُمِرت المرأةُ أن تختمر في الصلاة، وأما وجهُها ويداها وقدماها فهي إنما نُهيت عن إبداء ذلك للأجانب، ولم تُنْه عن إبدائه للنساء ولا لذوي المحارم، فعُلِم أنه ليس من جنس عورةِ الرجلِ مع الرجل والمرأةِ مع المرأة التي نُهِي عنها لأجل الحياء وقبح كشف العورة، بل هذا من مقدِّمات الفاحشة، فكان النهيُ عن إبدائها نهيًا عن إبداء الفاحشة، كما قال في الآية: {ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} .

وقال في آية الحجاب: {ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} . فنُهِي عن هذا سَدًّا للذريعة.

إلى أن قال: وكُنَّ نساء المسلمين يصلين في بيوتهن، ولم يُؤمرن مع القُمُص إلا بالخُمُر، لم تُؤمَر بسراويل لأن القميص يغني عنه، ولم تُؤمَر بما يُغطِّي رجليها، لا خُفّ ولا جَوْرَب، ولا بما يُغطِّي يديها لا بقفازين ولا غير ذلك، فدَلَّ على أنه لا يجب عليها في الصلاة سَتْرُ ذلك إذا لم يكن عندها رجال أجانب. انتهى.

وقد قرَّر الشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني نحوَ هذا التقرير، فقال: يباح كشفُ وجهها حيث لم يأتِ دليلٌ بتغطيته، والمراد كشفُه عند صلاتِها بحيث لا يَراها أجنبي، فهذه عورتُها في الصلاة، وأما عورتُها بالنظر إلى نظر الأجنبي إليها فكلُّها عورة. انتهى.

وما قرره أبو العباس ابن تيمية وابن القيم رحمة الله عليهما من احتجاب الحسان من الإماء وبروز غير الحسان، قد نصَّ عليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى فنَقَل ابن منصور عنه أنه قال: لا تَنتقب الأمَة، ونقَل ابن منصور عنه أيضًا وأبو حامد الخَفَّاف أنه قال: تنتقِبُ الجميلة.

والأصل في هذا أن كل ما كان سببًا للفتنة فإِنه لا يجوز، وقد تقدم تقرير ذلك في كلام الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى [1] ، ولما كان بروز الإماء الحسان من أعظم أسباب الفتنة، كان عليهن أن ينتقبن ويَستترن، عن نظر الرجال الأجانب إليهن كالحرائر، وهذا من باب سَدّ الذرائع إلى الفساد، وسَدُّها واجب إذا لم يُعارضها مصلحة راجحة، والله أعلم.

(1) انظر ص 69 - 70.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت