الصفحة 37 من 104

اللهُ ورسولُه لهن أن يَكشفن وجوهَهن في الأسواق والطرقات ومَجامع الناس وأذِن للرجال في التمتع بالنظر إليهن؟! فهذا غلطٌ محض على الشريعة.

وأكَّد هذا الغلَط أن بعض الفقهاء سَمِع قولهم: إنَّ الحرة كلَّها عورة إلا وجهها وكفيها، وعَورَةُ الأَمَة ما لا يَظهَرُ غالبًا كالبطن والظهر والساق، فظَنَّ أن ما يظهر غالبًا حكمُه حكمُ وجه الرجل.

وهذا إنما هو في الصلاة لا في النظر، فإن العورة عورتان: عورة في الصلاة، وعورة في النظر، فالحرة لها أن تصلي مكشوفة الوجه والكفين، وليس لها أن تخرج في الأسواق ومَجامع الناس كذلك، انتهى.

وقوله: فالحرة لها أن تصلي مكشوفة الوجه والكفين. يعني إذا كانت في موضع لا يراها فيه أجنبي؛ وأما إذا كانت في موضع يراها فيه أجنبي فعليها أن تَستُر جميع بدنها؛ ويَدلُّ على ذلك قولُ عائشة رضي الله عنها: إنَّ نساء الأنصار لما نزلَتْ سورة النور، أصبحن وراءَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معتَجِراتٍ كأنَّ على رءوسهن الغِربان. وقد تقدم تفسير الاعتجار قريبًا وأنَّ منه تغطيةَ الوجه [1] .

وذكر الخَطَّابي عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: المرأةُ تصلي ولا يُرَى منها شيء ولا ظُفرُها [2] .

وذكر شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى عن أحمد رحمه الله تعالى أنه قال كلُّ شيء منها عورة حتى ظُفرُها قال الشيخ: وهو قول مالك.

وقال شيخ الإسلام أيضًا: اختَلفَتْ عبارةُ أصحابنا في وجه الحرة في الصلاة، فقال بعضهم: ليس بعورة، وقال بعضهم: عورة وإِنما رُخِّص في كشفه في الصلاة للحاجة. والتحقيقُ أنه ليس بعورة في الصلاة، وهو عورة في باب النظر إذ لم يَجز النظر إليه، انتهى.

وظاهرُ كلامِه أن المرأة إذا صلَّتْ بحيث يَراها أجنبي، فعليها أن تَستر وجهها، لأنه عورة، فلا يجوز للأجانب النظرُ إليه، ولا يجوز لها أن تكشفه بحضرة الأجانب.

وقال شيخ الإسلام أيضًا في موضع آخر: وكشفُ النساء وجوهَهن بحيث يراهن الأجانب غيرُ جائز، وعلى وليِّ الأمِر الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن هذا المنكر وغيره، ومن لم يرتدع فإنه يُعاقَب على ذلك بما يَزجره، انتهى.

(1) انظر تفسير الاعتجار في ص 60.

(2) يعني أنها تغطي وجهها وكفيها حتى ظفرها في الصلاة، فلا يُرى منها شيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت