يَستثني بعضَ الإماء أولى وأحرى، وهُنَّ من كانت الشهوة والفتنة حاصلة بتركِ احتجابها وإبداءِ زينتها.
وكذلك المَحْرَمُ من أبناءِ أزواجهن ونحوه ممن فيه شهوة وشَغَف لا يجوز إِبداءُ الزينة الخفية له، فالخطابُ خَرَج عامًَا على العادة، فما خرَج عن العادة خُرِجَ به عن نظائره.
فإذا كان في ظهور الأَمة والنظر إليها فتنة وَجبَ المنعُ من ذلك كما لو كانت في غير ذلك، وهكذا الرجلُ مع الرجال والمرأةُ مع النساء: لو كان في المرأة فتنة للنساء، وفي الرجل فتنة للرجال، لكان الأمر بالغضّ للناظر من بصِره متوجّهًا، كما يتوجه إليه الأمر بحفظ فرجه.
فالإماء والصبيان إذا كانوا حِسانًا تُخشَى الفتنة بالنظر إليهم، كان حكمهم كذلك، كما ذكَر ذلك العلماء.
ثم ذكر الشيخ رحمه الله تعالى آثارًا كثيرة عن السلف في التحذير من مصاحبة المُردان والنظر إليهم، تركنا ذكرها خشية الإطالة إلى أن قال:
وكذلك المرأة مع المرأة، وكذلك مَحارم المرأة مثل ابن زوجها وابنِه، وابنِ أخيها، وابن أختها، ومملوكِها عند من يجعله مَحرِمًا، متى كان يُخاف عليه الفتنة أو عليها توَّجه الاحتجابُ بل وجب.
وهذه المواضع التي أمَرَ الله تعالى بالاحتجاب فيها مَظِنَّة الفتنة، ولهذا قال تعالى: {ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} . فقد تَحصُل الزكاةُ والطهارةُ بدون ذلك، لكن هذا أزكى.
وإذا كان النظرُ والبروزُ قد انتَفى فيه الزكاةُ والطهارة، لما يوجد في ذلك من شهوة القلب واللذة بالنظر: كان تَرْكُ النظر والاحتجابُ أولى بالوجوب، انتهى المقصود من كلامه رحمه الله تعالى.
وقال ابن القيِّم رحمه الله تعالى: وأما تحريُم النظر إلى العجوز الحرة الشوهاء القبيحة، وإباحَتُه إلى الأَمةِ البارعة الجمال، فكذِبٌ على الشارع، فأين حرَّم الله هذا وأباح هذا؟!
والله سبحانه إنما قال: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} . ولم يُطلِق اللهُ ورسولُه للأعين النظرَ إلى الإماء البارعة الجمال.
وإذا خَشِيَ الفتنةَ بالنظِر إلى الأَمَة حَرُمَ عليه بلا ريبٍ، وإنما نشأت الشبهة أنَّ الشارع شَرَع للحرائر أن يَسترن وجوهَهن عن الأجانب، وأما الإماء فلم يُوجب عليهن ذلك، لكن هذا في إماء الاستخدام والابتذال، وأما إماء التسرِّي اللاتي جَرَتْ العادة بصَوْنِهن وحَجْبِهن، فأين أباح