الصفحة 35 من 104

وقد نَهَى الله تعالى عما يُوجب العلمَ بالزينة الخِفَّية بالسَّمْع أو غيره، فقال: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} ، وقال: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} ، فلما نزل ذلك عمَدَ نساءُ المؤمنين إلى خُمُرهن فشَقَقْنَها وأرخَينَها على أعناقهن.

والَجيْبُ هو شُقٌّ في طول القميص، فإذا ضَرَبَتْ المرأةُ بالخِمار على الجيب ستَرَتْ عُنقَها.

وأُمِرَتْ بعد ذلك أن تُرخِي من جلبابها. والإرخاءُ إنما يكون إذا خرَجَتْ من البيت، فأما إذا كانت في البيت فلا تُؤْمر بذلك.

وقد ثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما دخَلَ بصَفِيَّة، قال أصحابه: إن أرخَى عليها الحجابَ فهي من أمهات المؤمنين، وإن لم يَضِرب عليها الحجاب فهي مما ملكَتْ يمينُه، فضَرَبَ عليها الحجاب.

وإنما ضُرِب الحجابُ على النساء لئلا تُرَى وجوهُهن وأيديهن. والحجابُ مختص بالحرائر دون الإماء، كما كانت سُنِّةُ المؤمنين في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه أنَّ الحرة تَحتجب والأمة تَبرُز.

وكان عمر رضي الله عنه إذا رأى أمَةً مختمِرة ضَربَها، وقال: أتتشبَّهين بالحرائر أيْ لَكَاع [1] ! فيَظهَرُ من الأَمَة رأسُها ويَدَاها ووَجْهُها.

وقال تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ} . فرَخَّصَ للعجوز التي لا تَطمع في النكاح أن تضع ثيابَها، فلا تُلقي عليها جلبابًا، ولا تَحتجب إذْ كانت مستثناة من الحرائر، لزوال المفسدة الموجودة في غيرها، كما استَثنى التابعينَ غيرَ أُولي الإرْبة من الرجال في إظهار الزينة لهم، لعدم الشهوة التي تتولد منها الفتنة.

وكذلك الأَمةُ إذا كان يُخافُ بها الفتنة، كان عليها أن تُرخِي من جلبابها وتحتجب، ووَجبَ غَضُّ البصر عنها ومنها.

وليس في الكتاب والسنة إباحةُ النظر إلى عامة الإماء، ولا تَرْكُ احتجابهن وإبداءُ زينتهن، ولكن القرآن لم يأمرهن بما أمَرَ به الحرائر، والسُّنَّةُ فرَّقتْ بالفعل بينهن وبين الحرائر، ولم تُفَرِّق بينهن وبين الحرائر بلفظٍ عام، بل كانت عادة المؤمنين أن تَحتجب منهم الحرائر دون الإماء.

واستَثنى القرآنُ من النساءِ الحرائرِ: القواعدَ فلم يَجعل عليهن احتجابًا، واستثنى بعضَ الرجال وهم غيرُ أُولي الإرْبة، فلم يَمنع من إبداء الزينة الخفيَّة لهم، لعدم الشهوة في هؤلآء وهؤلآء، فلَأَنْ

(1) أي: يا حمقاء يا لئيمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت