الصفحة 34 من 104

قيل: والجلابيب: الأردية التي تستر من فوق إلى أسفل. وقال ابن جُبَير: هي المقانع [1] ، وقيل: الملاحف [2] ، وقيل: كل ما تَستَتِرُ به من كساء أو غيره. وقال السُّدِّي: تُغَطِّي إحدى عينيها وجَبهتها والشقَّ الآخَر إلا العَيْن، وكذا عادة بلاد الأندلس لا يَظهر من المرأة إلا عينُها الواحدة.

والظاهر أنَّ قوله تعالى: (ونساءِ المؤمنين) يشمل الحرائر والإماء. والفتنة بالإماء أكثر لكثرة تصرفهن بخلاف الحرائر، فيَحتاج إخراجُهن [3] من عموم النساء إلى دليل واضح.

و (مِنْ) في (جلابيبهن) للتبعيض و (عليهن) شامل لجميع أجسادهن أو (عليهن) على وجوههن، لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه، انتهى.

وفي سنن أبي داود عن أمّ سَلَمة رضي الله عنها قالت: لما نزلَتْ {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِن} خَرجَ نساءُ الأنصار كأنَّ على رءوسهن الغِربان من الأكسية.

قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في الكلام على قوله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} الآية {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} إلى قوله: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} . قال: أمَرَ الله سبحانه الرجالَ والنساءَ بالغَضِّ من البصر وحفظِ الفرج، كما أمَرَهم جميعًا بالتوبة. وأمَرَ النساءَ خصوصًا بالاستتار، وأن لا يُبدِين زينتَهن إلا لِبُعولَتِهِنَّ ومن استثناه الله تعالى في الآية، فما ظهَرَ من الزينة هو الثياب الظاهرة، فهذه لا جُناحَ عليها في إبدائها إذا لم يكن في ذلك محذور آخر، فإن هذه لا بد من إبدائها، وهذا قولُ ابن مسعود وغيره، وهو المشهور عن أحمد، وهو قول طائفة من العلماء كالشافعي وغيره.

وأمَرَ سبحانه النساءَ بإرخاء الجلابيب لأن يُعرَفْن فلا يُؤْذَين، وهذا دليل على القول الأول.

وقد ذَكَرَ عَبِيدة السَّلْماني وغيرُه أنَّ نساء المؤمنين كُنَّ يُدنِين عليهن الجلابيب من فوق رءوسهن حتى لا يَظهر إلا عيونُهن لأجل رؤية الطريق. وثبت في الصحيح: «أن المرأة المُحْرِمَة تُنهَى عن الانتقاب والقُّفَّازين» . وهذا مما يدل على أن النِّقاب والقُّفَّازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يُحْرِمْنَ، وذلك يقتضي سَتْرَ وجوههن وأيديهن.

(1) المقانع جمع مِقنَعة، وهي ما تغطي به المرأة رأسها ومحاسنها.

(2) الملاحف جمع ملحفة، وهي اللباس الذي يكون فوق جميع ملابس المرأة، تلتحف به وتتغطى وتستتر، ويكون قطعتين، فإن كانت نسجًا واحدًا وقطعة واحدة سمي: ريطة.

(3) أي الإماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت