الصفحة 32 من 104

وقال ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} قال: الجلبابُ أو الرِداء. قال ابن كثير: وكذلك رُوي عن ابن عباس وابن عمر ومجاهد وسعيد بن جُبَير وأبي الشعثاء وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والزهري والأوزاعي وغيرهم.

وقال أبو صالح: تَضَعُ الجلباب، وتقوم بين يدي الرجل في الدِّرْع والخمار.

وقال سعيد بن جبير وغيره في قراءة عبدالله بن مسعود {أَنْ يَضَعْنَ مِنْ ثِيَابَهُنَّ} : هو الجلباب فوق الخمار، فلا بأْس أن يَضعنَ عند غريبٍ أو غيِره بعد أن يكون عليها خمار صَفِيق.

وقال سعيد بن جبير في الآية {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} يقول: لا يَتبرَّجْنَ بوضِع الجلباب ليُرَى ما عليهن من الزينة.

وقوله تعالى: {وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ} . أي وتَرْكُ وَضْعِهِنَّ لثيابهن وإن كان جائزًا خيرٌ وأفضَلُ لهن، انتهى.

وقال البغوي {وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ} فلا يُلقِين الحجابَ والرداء (خيرٌ لهن) . وقال أبو حيان (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ) عن وضع الثياب ويتسترن كالشباب أفضل لهن، (والله سميع) لما يقول كل قائل (عليم) بالمقاصد؛ وفي ذكر هاتين الصفتين توعُّدٌ وتحذير، انتهى.

وروَى سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في «سننه» عن عاصم الأحول قال: كنا نَدخل على حفصة بنت سِيرين، وقد جَعَلتْ الجلبابَ هكذا وتَنقَّبَتْ به، فنقول لها: رحمك الله قال الله تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} هو الجلباب، قال: فتقول لنا: أيُّ شيء بعد ذلك؟ فنقول: (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ) فتقول: هو إِثبات الحِجاب.

ومفهومُ الآية الكريمة أنَّ من لم تَيْأس من النكاح بعد، وهي التي قد بقي فيها بقيةٌ من جَمالٍ وشهوةٍ للرجال، فليست من القواعد، ولا يجوز لها وَضْعُ شيء من ثيابها عند الرجال الأجانب، لأن افتتانهم بها وافتتانها بهم غيرُ مأمون.

الآية الثالثة: قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [1] .

قال الجوهري: الجِلبابُ المِلْحَفُة. وقال ابن حزم: الجلبابُ في لغة العرب التي خاطبنا بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو ما غَطَّى جميعَ الجسم لا بَعْضَه. وقال ابن الأثير: الجلبابُ ما يَتغطَّى به الإنسانُ كلُّه من ثوب أو إزار.

(1) من سورة الأحزاب: 59.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت