الصفحة 30 من 104

وبيانُ ذلك أن المرأة إذا كانت مأمورة بسَدْل الخمار من رأسها على جيْبِها لتَستُرَ صدرَها، فهي مأمورة ضِمنًا بسَتْر ما بين الرأس والصدر وهما الوجه والرقبة، وإنما لم يُذكَر ها هنا للعلم بأنَّ سَدْل الخمِار إلى أن يَضرِب على الجيب لا بد أن يُغطِّيهما، والله أعلم.

ومن المعلوم عند كل عاقل أن الوجه هو مَجْمَعُ المحاسن، وإذا كانت المرأة حسناء، فوَجْهُها أبهى وأحسَنُ عند الناظرين من كل زينةٍ تكونُ عليها، والناظر إنما ينظر في الغالب إلى الوجه، ولاسيما إذا كان حسنًا، والفتنة غالبًا إنما تكون بالنظر إليه لا إلى الحلية والثياب.

وإذا كانت المرأة مأمورة بسَتْر ما عليها من الحُلي عن نظر الرجال الأجانب، خشية أن يُفتَتنوا بها، فَلأنْ تُؤمَر بسَتْر وجهها الذي هو مجْمَعُ محاسنها وسَبَبُ الافتتان بها في الغالب أولَى وأحرَى، ولهذا عَقَّب تبارك وتعالى نَهْيَ النساء عن إبداء زينتهن، بالأمْرَ لهنَّ أن يَضرِبن بخُمُرهن على جُيُوبهن، ليَسْتُرن وجوهَهن ورقابَهنِ وصدورَهن، فجمعَتْ الآية الكريمةُ بين سَتْرِ الزينتَيْنِ كلتيهما، ففي الجملة الأولى سَتْرُ الزينةِ المجلوبة، وفي الجملة الأخرى سَتْرُ الزينةِ الخِلْقية، والله أعلم.

وقد رَوى البخاري في صحيحه عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: يَرحَمُ الله نساءَ المهاجرات الأُّول، لما أنزل الله: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} شَقَقْنَ مُرُوطَهن فاختَمَرْن بها؛ ورواه أبو داود في سننه وابن جرير في تفسيره نحوه.

وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: قوله: فاختَمَرن بها أي غَطَّيْن وجوهَهن، وصِفَةُ ذلك أن تضَع الخمارَ على رأسِها وترَمِيهَ من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر وهو التقنُّع، قال الفَرَّاء: كانوا في الجاهلية تَسدُلُ المرأة خِمارَها مِن ورائها وتكشِفُ ما قُدَّامَها، فأُمِرْن بالاستتار.

وقال الحافظ أيضًا في كتاب الأشربة في أثناء تعريف الخَمْر: ومنه خِمارُ المرأة لأنه يسَتُرُ وجهها. انتهى.

وفي صحيح البخاري أيضًا عن صَفِيَّة بنت شَيْبة أن عائشة رضي الله عنها كانت تقول لما نزلت هذه الآية {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} : أخَذْنَ أُزُرَهُنَّ فشقَقْنَها من قِبَل الحواشي فاختَمَرْن بها.

وقد رواه أبو داود في سننه من حديث صَفِيَّة بنت شيبة عن عائشة رضي الله عنها، أنها ذكَرَتْ نساءَ الأنصار، فأثنت عليهن، وقالت لهن معروفًا، وقالت: لما نزلت سُورة النور عَمَدْن إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت