الصفحة 29 من 104

ونذكر قبلَ ذلك كلامًا حسنًا لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على هذه الآية والآيتين المذكورتين بعدها، وإنما لم أذكره في هذا الموضع، لاشتماله على تفسير الآيات الثلاث وارتباطِ بعضه ببعض، فكان ذكره بعدهن أنسب، والله الموفق.

قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: والسَّلَفُ قد تنازعوا في الزينة الظاهرة على قولين، فقال ابنُ مسعود هي الثياب، وقال ابن عباس ومن وافقه: هي ما في الوجه واليدين مِثلُ الكُحل والخاتم.

قال: وحقيقة الأمر أن الله جعل الزينة زينتين، زينةً ظاهرة، وزينةً غير ظاهرة، وجوَّز لها إبداءَ زينتها الظاهرة لغير الزوج وذوي المحارم، وأما الباطنة فلا تُبديها إلا للزوج وذوي المحارم.

وقبل أن تَنزل آية الحجاب كان النساء يَخرجن بلا جلباب، يَرى الرجالُ وجهها ويديها، وكان إذ ذاك يجوز لها أن تُظهِر الوجَه والكفين، وكان حينئذ يجوز النظرُ إليها لأنه يجوز لها إظهاره، ثم لما أنزل الله عز وجل آية الحجاب بقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} حَجَبَ النساءَ عن الرجال، وكان ذلك لما تَزوَّج النبي - صلى الله عليه وسلم - زينبَ بنت جَحْش رضي الله عنها فأرْخَى النبي - صلى الله عليه وسلم - السِّترَ ومنَعَ أنسًَا أن يَنظر.

ولما اصطفى صَفِيَّةَ بنتَ حُيَيّ بعد ذلك عامَ خيبر، قالوا: إن حَجَبها فهي من أمهات المؤمنين، وإلا فهي مما مَلَكَتْ يمينُه، فحَجَبَها.

فلما أمَرَ الله أن لا يُسئلن إلا من وراء حِجاب، وأمَرَ أزواجَه وبناتِه ونساءَ المؤمنين أن يُدنِينَ عليهن مِن جَلابيبهن؛ والجلباب هو المُلاءَة، وهو الذي يُسمِّيه ابن مسعود وغيرُه الرِداء، وتسميه العامَّةُ الإزار، هو الإزار الكبير الذي يغطي رأسَها وسائرَ بدنها، وقد حكى عَبيِدَهُ وغيرُه أنها تُدنِيه مِن فوق رأسِها فلا تُظهِرُ إلا عينَها؛ ومن جنسه النِّقاب، فكنَّ النِّساءُ يَنتقِبن، وفي الصحيح: «إنَّ المُحْرمِة لا تَنْتَقِب، ولا تَلْبَسُ القُفَّازَيْن» .

فإذا كُنَّ مأموراتٍ بالجلباب وهو سَتْرُ الوجه أو سَتْرُ الوجه بالنقاب، كان حينئذ الوَجْهُ واليدانِ من الزينة التي أُمِرتْ أن لا تُظهرِهَا للأجانب، فما بقي يَحِلُّ للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة.

فابنُ مسعود ذكَر آخِرَ الأمرين؛ وابنُ عباس ذكر أولَ الأمرين، انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

وقد تضمَّن قولُه تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} أَمْرَ النساءِ بتغطيةِ وجوهِهن ورِقابِهن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت