الصفحة 22 من 104

ودليلُه أنه في معنى المرأة، فإنه يُشتَهَى كما تُشتَهى، وصورته في الجمال كصورة المرأة، بل ربما كان كثيرٌ منهم أحسنَ صورة من كثير من النساء، بل هم في التحريم أولى لمعنى آخر، وهو أنه يُتمَكَّنُ في حقهم من طريق الشرّ ما لا يُتمَكَّنُ من مثله في حق المرأَة.

قلت: وقد كان إبراهيم النخعي وسفيان الثوري وغيرهما من السلف ينهون عن مجالسة المردان. قال النخعي: مجالستهم فتنة، وإنما هم بمنزلة النساء.

وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن الحسن بن ذكوان أنه قال: لا تجالسوا أولاد الأغنياء، فإن لهم صُوَرًا كصور النساء، وهم أشد فتنة من العَذارَى.

وروى أبو نعيم في الحلية من طريق القاسم بن عثمان، حدثنا عبدالعزيز بن أبي السائب عن أبيه، قال: لأنا أخوَفُ على عابدٍ من غلام من سبعين عذراء.

وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن أبي سهل الصُّعلوكي أنه قال: سيكون في هذه الأمة قوم يقال لهم: اللوطيون، على ثلاثة أصناف، صنف ينظرون، وصنف يصافحون، وصنف يعملون ذلك العمل.

وقال الجُنَيد بن محمد: جاء رجل إلى أبي عبدالله أحمد بن حنبل، ومعه غلام حسن الوجه، فقال له: من هذا الفتى؟ قال: ابني، فقال أحمد: لا تجيء به معك مرة أخرى [1] ، فلما قام قيل له: أيَّد الله الشيخ إنه رجل مستور وابنُه أفضَلُ منه، فقال أحمد: الذي قَصَدْنا إليه من هذا الباب ليس يَمنع منه سِترُهما، على هذا رأينا أشياخنا وبه أخبرونا عن أسلافهم.

والآثار عن السلف في التحذير من النظر إلى المردان ومن مجالستهم ومصاحبتهم كثيرة جدًا.

قال النووي: وهذا الذي ذكرناه في جميع هذه المسائل من تحريم النظر هو فيما إذ لم تكن حاجة، أما إذا كانت حاجة شرعية فيجوز النظر، كما في حالة البيع والشراء والتطبُّب والشهادة ونحو ذلك، ولكن يَحرم النظر في هذه الحالة بشهوة، فإن الحاجة تُبيح النظر للحاجة إليه، وأما الشهوة فلا حاجة إليها.

قال أصحابنا: النظرُ بالشهوة حرام على كل أحد غير الزوج والسيد، حتى يَحرم على الإنسان النظرُ إلى أمِّه وبنته بالشهوة، انتهى كلامه رحمه الله تعالى.

وليُتأمَّل أيضًا ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: من أن النظر إلى الزينة الباطنة من المرأة أشد من النظر إلى عورة الرجل، وكذلك النظر إلى الأمرد أشدُّ من النظر إلى عورة الرجل، لأن المرأة والأمرد محل الشهوة والفتنة بخلاف عورة الرجل.

(1) لأن الناس حين يرونه معك، يظنون بك السوء، إذ هم لا يعلمون أنه ابنك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت