صحبة الأحداث. وقال بعضهم: ما سقَطَ عبد من عين الله إلا ابتلاه بصحبة هؤلآء الأَنْتَان [1] . ثم النظر يولِّد المحبة فيكَوِّنُ عَلاقةً لتعلق القلب بالمحبوب، ثم صَبابةً لانصباب القلب إليه، ثم غرامًا للزومه للقلب كالغريم الملازم لغريمه، ثم عشقًا إلى أن يصير تتيُّمًا، والمتيَّم: المعبَّد، وتَيْمُ الله: عَبْدُالله، فيبقى القلب عبدًا لمن لا يصلح أن يكون أخًا بل ولا خادمًا.
وهذا إنما يُبتلَى به أهل الإعراض عن الإخلاص لله، الذين فيهم نوع من الشرك وإلا فأهل الإخلاص كما قال الله تعالى في حق يوسف عليه السلام: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} .
فامرأة العزيز كانت مشركة، فوقعت مع تزوجها فيما وقعت فيه من السوء. ويوسفُ عليه السلام مع عزوبته ومراودتِها له واستعانتِها عليه بالنسوة وعقوبتِها له بالحبس على العفة، عَصَمه الله بإخلاصه لله، تحقيقًا لقوله: {لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} .
قال تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} .
والغيُّ هو اتِّباع الهوى، وهذا الباب من أعظم أبواب اتِّباع الهوى. انتهى المقصود من كلامه ملخصًا.
فليُتأمَّل من أوله إلى آخره، وليُتأمَّل ما ذكَر من الاتفاق على تحريم النظر بشهوة إلى المردانِ والأجنبياتِ من النساء وذواتِ المحارم، وأنه سواء في ذلك النظر بشهوةِ الوطء، أو شهوةِ التلذذ بالنظر، وأنَّ من استحل ذلك كفر إجماعًا، وأنَّ اللمس كالنظر وأولى.
وهذا المحرَّم بالاتفاق؛ قد وقع فيه كثير من الناس في زماننا، ولاسيما في البلدان التي قد فشَتْ فيها الحرية الإفرنجية، ورغِبَ أهلُها رجالًا ونساءً في مشابهة الإفرنج واتِّباع سَنَنهم [2] حذْوَ النعل بالنعل؛ فإن هؤلآء لا يَرون بالنظر المحَّرم بأسًا، عِياذًا بالله من موجِبات غضبِه وأليمِ عقابه.
قال النووي رحمه الله تعالى: وأما نظَرُ الرجل إلى المرأة فحرام في كل شيء من بدنها، فكذلك يَحرُمُ عليها النظرُ إلى كل شيء من بدنه، سواء كان نظره ونظرها بشهوة أم بغيرها؛ ولا فرق أيضًا بين الأمَة والحُرَّة إذا كانتا أجنبيتين.
وكذلك يَحرم على الرجل النظرُ إلى وجه الأمرد إذا كان حسن الصورة، سواء كان نظَرُهُ بشهوة أم لا؛ وسواء أمِنَ الفتنة أم خافها، هذا هو المذهب الصحيح المختار عند العلماء المحققين نَصَّ عليه الشافعيُّ وحُذَّاقُ أصحابه رحمهم الله تعالى.
(1) الأنتان جمع نتن، وهو الرائحة الكريهة. وقد وصفوا المردان بذلك تنفيرًا من صحبتهم ومخالطتهم.
(2) أي طريقهم وعادتهم.