وليُتأمَّل أيضًا ما ذكره من أقسام النظر إلى المُردان وإلى الحِسان من ذوات المحارم، وأنَّ النظر إلى وجه الأجنبية من غير حاجة لا يجوز، وإن كانت الشهوة منتفية، لأن النظر إليها من أسباب الفتنة، وما كان سببًا للفتنة فإنه لا يجوز.
فليَتأمَّل ذلك المفتونون بسفور النساء وتكشفهن بين الرجال الأجانب، وليَتأملوا أيضًا ما ذكَره من منع الإماء الحِسان من المشي بين الناس متكشفات الرءوس، وتعليلِ ذلك بأنه من باب الفساد. وهذا يفيد أن سفور الحرائر وتكشفهن بين الرجال الأجانب أعظم وأعظم، لأن الحرائر مأمورات بالتستر التام عن نظر الرجال الأجانب بخلاف الإماء. وفي سفور الحرائر وتكشفهن بين الرجال الأجانب فتحُ بابِ الفساد على مصراعيه، فالله المستعان.
وقد قرَّر الإمام أبو العباس ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمة الله عليهما تحريمَ النظر إلى الإماء الحسان. وسيأتي كلامهما قريبًا إن شاء الله تعالى [1] ، مع الكلام على وجوب تستر النساء عن الرجال الأجانب.
وليُتأمَّل أيضًا ما ذكَره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى من أن المُرْدَ الحِسانَ لا يَصلح لهم أن يخرجوا في الأمكنة والأزمنة التي يُخاف فيها الفتنة بهم إلا بقدر الحاجة، وأنهم لا يُمكَّنون من التبرج، ولا من الأفعال التي تَفتِنُ الناسَ بهم.
وليُتأمل أيضًا ما ذكره من وجوب سَدّ الذرائع إلى الفساد، إذا لم يعارضها مصلحة راجحة.
ومن أعظم ذرائع الفساد التي يجب على المسلمين سَدُّها: سُفورُ النساء وتكشُّفُهن بين الرجال الأجانب في الخلوات ومَجامع الناس وأسواقهم.
وليس لهذه الذريعة مُعارض من المصالح الراجحة، وإنما مَدارها على التشبه بنساء الإفرنج، وتمكين الرجال من التمتع بالنظر إلى الأجنبيات، وتمكينِهن من التمتع بالنظر إلى الرجال.
ولا يخفى على عاقل أن هذا من أعظم أسباب الفتنة، وأقربِ الذرائع إلى الفاحشة. وهو أيضًا من أنواع الزنا كما تَقدم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه [2] .
ولو كان عند رجال أولئك النسوة الضائعات كل الضياع أدنى غَيرة عليهن، لأخذوا على أيديهن ومنعوهن من السفور والتكشف بين الرجال الأجانب، وتمكينِهم من التلذُّذ بالنظر إليهن، والتحدُّثِ معهن في الخلوات وغير الخلوات وغيرِ ذلك، مما هو من أسباب الفتن وذرائع
(1) في ص- 68 - 71.
(2) في قوله صلى الله عليه وسلم: العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع ... إلى آخر الحديث المتقدم في ص 22.