ولَّما ذَكَر الصحابة رضي الله عنهم أنهم ما لهم من مَجالسهم بُدٌّ يتذاكرون فيها ويتحدثون، أذِنَ لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجلوس فيها بشروط، منها: غَضُّ البصر، فعُلِمَ مِن ذلك أنه لا يجوز الجلوسُ في الطرقات لمن لا يغُضُّ بصره، ويَكُفُّ أذاه، ويَرُدُّ السلام، ويأمر بالمعروف، ويَنهى عن المنكر.
ولما كانت البَلْوَى تَعُمُّ بنَظَرَ الفَجْأة في بعض الأحيان، عَفَا الشارع عنه وأمَرَ بصرف البصر في الحال، ونَهى عن إدامةِ النظر وتكراره كما في المسند وصحيح مسلم والسنن إلا ابن ماجه، عن جَرير رضي الله عنه قال: «سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نظر الفَجْأة، فأمرني أن أصرف بصري» . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وقد رواه الخَطَّابي في معالم السنن بإسناده عن جرير رضي الله عنه قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نظر الفَجْأة فقال: «أَطرقْ بصرَك» .
قال الخطابي: الإطراقُ أن يُقبِلَ ببصره إلى صدره، والصَّرْفُ أن يُقبِل به إلى الشق الآخر أو الناحيةِ الأخرى.
وقال النووي: الفُجَاءة بضم الفاء وفتح الجيم وبالمد، ويقال بفتح الفاء وإسكان الجيم والقصر - الفَجْأة - لغتان، هي: البَغْتة. ومعنى نظر الفَجْأة أن يقع بصرُه على الأجنبية من غير قصد فلا إثم عليه في أول ذلك، ويجب عليه أن يصرف بصره في الحال، فإن صَرَف في الحال فلا إثم عليه، وإن استدام النظر أثِمَ لهذا الحديث، فإنه - صلى الله عليه وسلم - أمَرهَ بأن يصرف بصره مع قوله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} . انتهى.
وفي المسند عن علي رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: «يا علي لا تُتْبِع النظرةَ النظرةَ، فإنما لك الأُولى، وليست لك الآخِرة» . قال الهيثمي: فيه ابن إسحاق، وهو مدلِّس، وبقية رجاله ثقات.
ورواه البزار والطبراني في الأوسط، قال الهيثمي: ورجال الطبراني ثقات.
ورواه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي المسند وسنن أبي داود وجامع الترمذي عن بُرَيدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لِعلي: «يا علِي لا تتبِع النظرة النظرة، فإن لك الأُولَى وليست لك الآخِرة» . قال الترمذي: حديث حسن غريب.
وروى الإمام أحمد في الزهد عن الحسن البصري أنه قال: كانوا يقولون: ابنَ آدم النظرةُ الأُولى تُعذَرُ فيها. فما بالُ الآخِرة؟!