قال الخطابي: النظرةُ الأُولى إنما تكون له لا عليه إذا كانت فَجْأة من غير قصد أو تعمد، وليس له أن يكرر النظرَ ثانيةً، ولا له أن يتعمده بَدْءًا كان أو عَوْدًا، انتهى.
وقال المرُّوذي: قلت لأبي عبدالله - يعني أحمد بن حنبل - رجلٌ تاب وقال: لو ضُرِبَ ظهري بالسياط ما دَخلتُ في معصية، غير أنه لا يَدَعُ النظر، قال أيُّ توبة هذه؟ قال جرير: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن نظر الفَجْأة: فأمَرَني أن أَصرفَ نظري.
وقال المرُّوذي أيضًا: سمعت أبا عبدالله في قوله تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُن} . قال: هو الرجل يكون في القوم فتَمُرُّ به المرأةُ فيُلْحِقُها بصَره.
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} : هو الرجل يَدخُلُ على أهل البيت بيتَهم، وفيهم المرأةُ الحسناء أو تمُرُّ به، فإذا غَفَلوا لَحَظَ إليها، فإذا فَطِنوا غَضَّ بصَرَه عنها، فإذا غَفَلوا لَحَظ، فإذا فَطِنوا غَضَّ، وقد اطَّلع الله من قلبِه أنه وَدَّ لو اطَّلعَ على فرجها وأن لو قَدَر عليها فزَنَى بها.
وروى أبو نُعيَم في الحلية عن محمد بن يزيد بن خُنَيس، قال: سمعت سفيان الثوري يقول: وقيل له {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} قال: الرجلُ يكون في المجلس في القوم يَسترقُ النظرَ إلى المرأة تَمرُّ بهم، فان رأوه ينظر إليها اتَّقاهم فلم يَنظر، وإن غَفَلُوا نَظَر، هذا خائنةُ الأعين، {وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} قال: ما يَجدُ في نفسه من الشهوة.
قلت: وقد تَضاءلَتْ خائنةُ الأعين في زماننا، ولم تَبق إلا عند الذين تستتر نساؤهم من المسلمين.
وأما الذين فُتِنوا بتقليد طوائف الإفرنج والتزيي بزِيِّهم، فقد عُدِمَتْ فيهم خائنةُ الأعين وحَلَّ محلَّها تسريحُ النظر في محاسن النساء الأجنبيات، والتمتعُ بالنظر إليهن، ومضاحكتُهن، ومجالستُهن، والتحدُّثُ معهن في الخلوة وغير الخلوة.
وهؤلاء قد نَبَذوا أمرَ الله تعالى وأمرَ رسوله - صلى الله عليه وسلم - بَغضّ الأبصارِ وراءَ ظهورهم، واستَحلُّوا زِنى العينين والأُذنين واللسانِ طاعة للشيطان واتِّباعًا لخطواته.
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «العينانِ زِناهما النظر، والأُذنان زِناهما الاستماع، واللسانُ زِناه الكلام، واليدُ زِناها البطش، والرِّجْلُ زِناها الخُطَا» . متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.
وليس العَجَب من جهالة هؤلاء السفهاء الذين أشرنا إليهم، وإنما العجب من علمائهم علماءِ السوء الذين تابعوا السفهاء في فعل المعاصي، والتَمَسوا لهم المعاذيرَ بالحجج الداحضة، وخالَفُوا أمْرَ الله وأمْرَ رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهم يعلمون.