فأما ما يتعلَّق بالنوع الأول (الرِّفق بالنفس) : فقد تقرّر فيما سبق أن الرِّفق خيرٌ كله، فيكون أولى الناس بهذا الخير نفسُك التي بين جنبيك، عملًا بقوله -صلى الله عليه وسلم-: (( ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ... ) )الحديث أخرجه مسلم [1] .
ثم إن الرِّفق إذا كان مطلوبًا عند التّعامل مع الآخر، فهو في حقِّ النفس مطلوب بالأولى.
وقد جاء الإسلام يؤكّد على ضرورة الرِّفق بالنفس من خلال تعاليمه وأحكامه، فقد عُنِي بحفظ النَّفس وصيانتها، وحثَّ على القيام بالضرورات التي تصلحها، وأوجب عليها التكاليف التي لا مشقة فيها ولا عنت، وإليك بعض جوانب الرِّفق بالنفس من خلال الأحاديث النبوية الشريفة:
1 -المحافظة على النفس، وحرمة الاعتداء عليها بقتل أو دونه:
عن أَبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: (( مَنْ تَردَّى مِنْ جبل فقتلَ نَفْسَه، فهو في نارِ جَهَنَّمَ يَتَردَّى فيه خالدًا مُخَلَّدًا فيها أبدًا، ومن تَحَسَّى سُمًّا فقتلَ نفسَه، فَسُمُّه في يده يَتَحَسَّاهُ في نارِ جهنَّمَ خالدًا مُخَلَّدًا فيها أبدًا، ومَنْ قتلَ نَفْسَه بحديدةٍ، فحديدتُه في يدِه يَجَأُ بها في بطنِه في نارِ جهنَّمَ خالدًا مُخَلَّدًا فيها أبدًا ) )رواه البخاري ومسلم [2] .
فقد اشتمل الحديث على تحريم قتل النفس أيًا كانت الدواعي والأسباب، وبأي وسيلة، ولا ريب أنَّ قتل النفس من مظاهر العنف والقسوة التي لا تتلاءم مع الرِّفق المطلوب في حقِّ النفس، لذا جاء التحريم لهذا الفعل، والوعيد الشديد لمن أقدم على هذا الفعل.
(1) مسلم: كتاب الزكاة - باب الابتداء في النفقة بالنفس ... 2: 692 حديث 41 (997) .
(2) البخاري: كتاب الطب - باب شرب السُّمّ ... (5778) ، ومسلم: كتاب الإيمان - باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه ... 1: 103 حديث 175 (109) .