تحمل الناقة دنيا واسعة من المعاني عند الشاعر الجاهلي بقدر صحرائه الواسعة الممتدة، امتداد الأفق غير المتناهي [1] ، وهي رفيقة الدرب لا غنى للعربي عنها في حله وترحاله. وقد رسمها طرفة بريشة رسّام جعل منها لوحة فنية إبداعية أفاض عليها من روحه وحالته النفسية ودفقاته الشعورية، فهي رفيقة دربه، وأنيس غربته، وصاحبة وحدته. جعلها قبلة الشعراء الجاهلين وأتعب في وصفها مَنْ بعده.
يرى القيسي بأن ناقة طرفة آية في المثالية [2] ، وهي أطول رحلة في الشعر العربي، وقد جمع فيها الشاعر حشدًا من التشبيهات والصور البيانية، موظفًا البيئتين الحضرية والبدوية في تشكيل هذه اللوحة، يقول نصرت عبد الرحمن: ونجد في هذه الأبيات إحدى عشرة صورة حضرية تقف قبالتها خمس صور بدوية، لنعامة ترد لظليم، ولجناحي نسر أبيض مضرحي، ولقربة جافة الخلق، ولكناس غوالة في أصل شجرة ضال، ولمهاة مكحولة أو فرقد، ونستطيع أن نعدّ هذه الصور الخمس من الصور الطبيعية، أما الصور الإحدى عشرة الحضرية، فهي: ظهر البرجد، والبابان المنيفان الممدان، وقنطرة الرومي، والسقيف المسند، والبنائق الغر في القميص المقدد، وسكان بوصي بدجلة، والعلاة، وطرف المبرد، والمرأتان وقراطيس الشآمي، وسبت اليماني" [3] . وقد بدأ برسم صورته وتشكيل لوحته خروجًا من الحالة الشعورية التي يمر بها راكبًا على ظهر ناقته السريعة، نشيطة العدو، موثوقة الخلق، مأمونة العثار، التي تشبه أضلاعها ألواح التابوت الضخم، وهي قوية الجسم، مكتزنة اللحم، كالنعامة في سرعة جريها، ترعى في مكان خصب بين نوق خفّت ضروعها، وقلّت ألبانها، تبتعد عن الفحول بجعل ذيلها بين دبرها وبين الفحل الأحمر الضارب إلى سواد، حفاظًا على رشاقتها من ألا تحمل منه، وتظل خفيفة سريعة، حركتها رشيقة."
وَإِني لاُمْضِي الَهمَّ عِنْدَ احْتِضَارِهِ ... بِعَوْجَاءَ مِرْقَالٍ تَرُوحُ وَتَغْتَدِي
أَمونٍ كأَلْوَاحِ الإِرانِ نَسأتُها ... على لاحِبٍ كأَنّهُ ظَهْرُ بُرْجُد
(1) طرفة بن العبد وصورة الناقة في شعره، عبد الجليل العريض: 70.
(2) نوري القيسي: الطبيعة في الشعر الجاهلي:351.
(3) الصورة الفنية في الشعر الجاهلي: نصرت: 100.