تقوم معلقة طرفة بن العبد على مفهوم اللوحة الإبداعية الموسعة أو الممتدة، بحيث لا نكاد نرى هذا الحشد من مجموعات التشابيه والاستعارات والصور الفنية في أي قصيدة أو معلقة أخرى، فهي تفوح في كل مشهد من مشاهد المعلقة، وهي ما يسميها البعض بالتصوير،"والتصوير لون، وشكل، ومعنى ووحركة" [1] ، ويقرّ البلاغيون والنقاد بأن تصوير الحركة في الشعر"من بديع التشبيهات وجليلها، لأن التقاطها وهي تدور في حركتها واضطرابها دليل مقدرة الشاعر ووعيه وقوة ملاحظته" [2] . وهي عند رزق صور تفصيلية مركبة متداخلة [3] .
إنّ طرفة بن العبد أبدع أيما إبداع في تضافر اللون والحركة والصورة في رسم لوحاته. ويرى الهاشمي بأن التصوير الدقيق البارع من أهم عوامل عبقرية طرفة الشعرية، فلقد أوتي طرفة موهبة فطرية في التصوير، مكنته من هذا الفن، وجعلته يحيط بدقائق الموصوف، ويلم بالأوجه البعيدة بينه وبين ما يشبهه به، بحيث تأتي صورة ذلك الموصوف دقيقة كل الدقة، محكمة كل الإحكام، وقد رفد موهبته هذه بخيال ومجنّح وثاب وظف فيها عناصر الوصف من مرئيات ومسموعات ومشمومات [4] .
إنها حسناء فتية ناضرة الشباب، أشربت شفتاها سمرة شفاه الظبي الغرير، يتألق في جيدها عقد مزدوج النظم من حبات اللؤلؤ والزبرجد، مترفة مرفهة لا تكاد تحملها قوائمها، تكاد تشبه ظبية ريانة، تمرح بين أغصان خميلة موفورة النبت والشجر؛ فتوشك أن تتخلف بين قطيعها، فترنو إليه حتى تفلت أثره،
(1) أبو موسى: 67
(2) أبو موسى: 67.
(3) المعلقات العشر: 349
(4) طرفة بن العبد: حياته وشعره، الهاشمي: 195.