أعترف بأنني عشت تجربة فريدة في الشهرين الماضيين، ويكأنني أقرأ معلقة طرفة بن العبد لأول مرة، على كثرة تردادي عليها، فقد تكشفت لي صور ودلالات ومعان ما رأيتها من قبل قط. ولعل من أبرز المحطات التي أود أن أسجلها هاهنا:
-إن الوقوف على الأطلال على الرغم من شيوعه في الشعر الجاهلي خصوصًا والشعر العربي عمومًا لم يكن أمرًا مكرورًا إنما هو جزء من بنية القصيدة، ومعمارها الفني، وهي تنبئ عمّا يريد الشاعر أن يخوض فيه، وما يعانيه من مشاعر وأحاسيس.
-كشفت الدراسة بأن معلقة طرفة بن العبد تتكون من لوحة إبداعية كلية واحدة تشكلت من خلال ثلاث لوحات إبداعية أصغر منها، وتلك اللوحات الفنية الصغيرة تكونت من مجموعة من الصور والتشبيات والاستعارات المتراكمة.
-أماطت الدراسة اللثام عن الكيفية التي شكل فيها طرفة بن العبد عن لوحته الإبداعية الفذة، لوحة الناقة، حيث ركبها جزءًا جزءًا بصورة عكسية، وذلك انعكاس حقيقي للحالة النفسية التي يمر بها الشاعر ويعيشها في ظل أزمته مع نفسه وقبيلته ومجتمعه. فحاله حال مدبر عن القبيلة لا مقبل عليها.
-أبانت الدراسة بأن شخصية طرفة بن العبد، - من خلال معلقته- شخصية متميزة مختلفة عن كثير من الشخصيات الجاهلية الأخرى، فهو شاعر صافي الذهن، وطيب القلب، وصادق الإحساس، ونقي السريرة، يحب العدل، ويكره الظلم، يقدر الشجاعة، ويمقت الجبن، يحب اللون الأبيض بوصفه انعكاسًا لحقيقة مشاعره النقية الصافية.
-أظهرت الدراسة بأن طرفة بن العبد مهندس لغوي، متمرس في صناعة الشعر، يشكله وفق أدق التعابير وأبين الصور، فلديه مهارة تخير الحروف والأصوات والمفردات والتراكيب للدلالة عمّا يجيش في خاطره من معان وأحاسيس.