الصفحة 32 من 40

ولم يجلب له ذلك موتًا واحدًا، بل كان الموت متكاثرًا ومتعدد المستويات، وصار ينفق أمواله على لذاته وشهواته هروبًا من واقعه مع محبوته وقبيلته التي نبذته نبذ الجمال الجرباء، ولما لم يجد مخرجًا رغم كل محاولاته بلغ مرحلة اليقين والإيمان بحقيقة الحياة والموت، فوضع تأملاته وفلسفته في الحياة والموت، ليكمل ملامح اللوحة التي شرع برسمها في مؤخرة المعلقة، فالموت حتمي لا يفرق بين غني وفقير وكلاهما مضيرهما التراب، فالموت مرتبط بالحياة، إنه كامن فيها، ونائم مع الحياة في الوجود، لكنه يجرجر الإنسان رويدًا رويدًا مع تساقط الأيام وكر الليالي [1] .

انتظمت موسيقا المعلقة وإيقاعها الداخلي والخارجي في مجموعة من المستملحات تراوحت بين إيقاع الصوامت والصوائت والسواكن وإيقاع الألفاظ والوحدات اللغوية ومحسنات علم البديع من طباق وجناس، فضلًا عن الوزن والقافية. وقد جعل طرفة حين أفاض في وصف لوحاته الثلاث وتصويرها الموسيقا جزءًا من بنية المعلقة ووحدتها القائمة على التشكيل والتصوير، ولا يسمى الوزن وزنًا إلا لأنه مرتبط ببنية القصيدة، ولا تسمى القصيدة قصيدة إلا لأن الوزن داخل في تركيبها وتشكيلها وبنيتها، فموسيقا المعلقة جزء من الصورة التي تحمل تجربته ورؤيته وتعبيره عن موقفه، بل إنها مؤثرة في صوره المتشعبة الحاملة لمعنى المعلقة، والكاشفة عن اليأس والحزن والتشاؤم، الناتج من الموقف الفلسفي للشاعر وهو يعالج فكرة الحياة والموت، وتعتمد المعلقة في كثير من جوانبها على الترجيع الكثير النغمات والنبرات مثلما نجد في غناء قينته (نداماي بيض كالنجوم) [2] .

(1) لمزيد من التفاصيل حول رسم هذه اللوحة، انظر: عبور الأبد الصامت: 263 - 273. وفلسفة الموت عند طرفة: حسين نشوان: 68. ومشكلة المصير في مطولة طرفة، مصطفى ناصف: 31 وما بعدها.

(2) مصلحي، معلقة طرفة: 257.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت