الصفحة 3 من 40

تنماز القصيدة العربية بتصوير بياني، ورسم بارع، وصور متميزة، أفضت إلى تشكيل لوحات إبداعية تبلورت في تقنية عالية الجودة، وتشكلت من: المفردة والتركيب والإيقاع والبيان والرؤية، وعناصر أخرى في التفكير والإفهام، وأواصر متعاونة في الصوت واللون والظلال والسرد، وحملت القصيدة العربية كل مستويات التبليغ والخطاب، ومسؤوليات الثقافة والعلم والفن، وكانت الذاكرة الواعية والأجندة الشفافة في تأصيل قيم سيد الحياة الرجل، وفي توثيق الدلالات الجمالية لسيدة الحياة المرأة، وبما يحيط بهما من روائع الطبيعة، وجاذبية المكان، ومنافع الحيوان الأليف كالناقة والحصان أجمل وأطوع حيوانين عند العربي قديمًا وحديثًا [1] . والحاجة ماسة لدراسة القصيدة العربية وتحليلها ممثلة في الشعر الجاهلي، كون هذا الشعر شعر الجيل الذي نزل فيه القرآن، ولا شك أنّ أشبه كلام العرب بكلام الله عزّ وجلّ هو كلام هذا الجيل، وهم الذين طولبوا بأن يأتوا بمثله، وكان عجزهم حجةً على غيرهم، وهذا يوجب علينا أن مزيدًا من العناية ببيان هذا الجيل، ومما أجمعت عليه الأمة أن الفقه في بيان هذا الجيل من الفقه في الدين، ولا شك كذلك أنّ أي عربي فصيح يقرأ قصيدة من الشعر العريق وكتب عنها ثم أعاد قراءتها وتفقدها إلا ظهر له فيها معاني جديدة، وأحوال مختلفة، وخواطر عميقة، وأنظار بصيرة، خصوصًا في القصائد التي عدت لوحات إبداعية، كلوحة شاعرنا طرفة بن العبد [2] .

واللوحات الشعرية الإبداعية بهذا المفهوم تحدثت عن وجدان الشاعر والأمة والوطن، وعن عقل الشاعر والأمة والوطن، وعنهما معًا في المجتمع العربي لذاك العصر. فالشاعر كان مفكرًا وحكيمًا وفنانًا ومغنيًا وموسيقيًا وفارسًا وسيدًا وغير ذلك، والشعر كان، وما زال، فكرًا وفنًا وإبداعًا وإحساسا وإطرابا، وغير ذلك، وأكثر من ذلك. فالقصيدة لوحة، والشاعر رسام لوحات، وهو صاحب صنعة، يقدم لمجتمعه فنًا بديعًا، في مسؤولية فنية ووسيلة إبداعية تتعامل مع الفضاء الشعري والشاعرية بكفاءة عالية، وبمواصفات تقوم على رؤى ثاقبة في الفهم والإفهام. واللوحة نص

(1) المعيني، عبد الحميد، اللوحات الإبداعية في الشعر الجاهلي.

(2) أبو موسى، محمد، قراءة في الأدب القديم: 1

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت