الصفحة 31 من 40

يحتوي هذا البيت على مجموعة من الصور والتشابيه التي يجعله حيًا في معناه وروحه، فقد شبه خلق محبوبيته بالجمل، واستعار لها كلمة"تردى"وبعد ذلك شبهها بالنعامة التي تتصدى لظيلم قليل الشعر رمادي اللون. وفي قوله:

نَدَامايَ بيضٌ كالنجوم وَقَيْنَةٌ ... تَرُوحُ عَليْنَا بينَ بُرْدٍ وَمَجْسَدِ [1]

كما وظف الشاعر الروائح وحاسة الشم ليضفي جمالًا على جمال وإحساسًا على إحساس، في رائحة الأقحوان.

استطاع الشاعر في هذه اللوحة رسم معالم شخصية إنسانية متميزة الحساسية والرؤية، في لحظة من لحظات الصدق والمكاشفة، وربما المواصلة، مع الذات، وعوالمها الداخلية والخارجية، والاجتماعية، حال حيويتها التي تتردد بين موجات متتابعة أو متداخلة من القوة والضعف، والغضب والتسامح، والثورة والنفور، والإشفاق والتعاطف، واللوم والاعتذار إلى آخر ما يمكن أن تقودنا إليه هذه اللوحة من ثنائيات الحياة المتضادة أو المتقابلة أو المتوزاية [2] . فقد صور ذاته في هذه اللوحة في المرآة المقابلة، فهو شجاع كريم يترفع عمّا يفعله الجبناء خشية مداهمتهم من ضيوفهم طلبًا للرفادة والسقاية، وهو المغوار الذي يحضر محافل القوم التي تتبادل فيها الآراء، وهي من سمات علية القوم، وذوي المشورة والمكانة الاجتماعية العالية، ومع ذلك لا ينفي عن نفسه في هذه اللوحة ميله إلى المتع الحسيّة التي يلقاها من ارتياده الحوانيت والخمارات والحانات. وبعد ذلك يدلف إلى رسم ذاته أمام الذوات الأخرى (الموت المعنوي) ، إن مغادرة المحبوبة هو هجران لذات الشاعر، ونكران لوجوده،

(1) ديوان طرفة بن العبد: 32.

(2) المعلقات العشر: 325

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت