الصفحة 30 من 40

ومرفقاها بعيدان، ومالّ عضداها متينان، وذنبها قوي، تحركه لعبًا ولهوًا ودفعًا للأذى، وهي أكول لا ترعى إلا في الأماكن الخصبة. وهي حذرة يقظة نشيطة، قلبها قوي، كثيرة الحركة، أنفها جميل، وهي طوع صاحبها في السرعة والبطء، معتادة السير في الليل وفي النهار، في السهول والجبال، سريعة الجري، تثير الغبار، ولا تتعثر في الرمال، تفتت الحصى، تفوق غيرها سرعة وقوة؛ إنها ناقة طرفة بن العبد. إنّ هذه الصور التي حشدها الشاعر السمعية والبصرية والحركية تغذي المحور المركزي للصورة بروافد تزيد المعنى وضوحا ودقة، وكل ملمح منها يزيد من خصوصية المعنى بحيث يكمل جمال الصورة، وتجميع هذه الأجزاء يؤدي في النهاية إلى اللوحة النهائية التي يرغب فيها الشاعر، وهي بالضبط كمثل النهر الكبير الذي تغذيه روافد جانبية فكلما زادت الروافد زادت عظمة ذلك النهر. فلكي تتضح الصورة التي يرغب فيها الشاعر لناقته، نجده يعدد صفاتها فهي تحمل وصفا كثيرا قد يرفعها لمصافِّ الحيوانات الأسطورية، ولو تحدث الشاعر عن صفة واحدة لما كان للناقة أي شأن يذكر، لذلك يصف ناقته بعشرات الصور، لشعوره أن تلك الناقة أصبحت كيانا ملتحما به، وأن كل صفة للناقة تلتصق به تلقائيا، لأنه يرى نفسه كبيرا وعظيما، فلا يلتصق إلا بناقة عظيمة، وذلك شيء طبيعي لشاعر يجد علاقة حميمة بينه وبين ناقته التي تحمله في حلِّه وترحاله، ولا يصح بأي حال من الأحوال أن تكون ضعيفة أو عادية، لذلك اختار لها كل تلك الصفات السابقة، وهذه الصفات قد تحمل تشبيهات مثل: كألواح الأران، كأنما تمر بسلمى، كالماويتين، وكأنما وعى الملتقى منها، كقرطاس الشآمي.

ومن الألوان التي أضفاها على لوحته مما أعطاها رونقًا وجمالًا وحياة قوله: ظبي شفتاه ضاربتان إلى السمرة، والأجفان سوداء، وضوء الشمس، وظيلم رمادي اللون:

جَمَاِليَّةٍ وَجْنَاءَ تَرْدي كَأنَّها ... سَفَنجَةٌ تَبْري لأَزْعَرَ أَرْبَدِ [1]

(1) ديوان طرفة بن العبد: 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت