الصفحة 18 من 40

تكشف معلقة طرفة بن العبد أنّ لغته كانت طيعة لينة بين يديه في رسم اللوحات الفنية التي مزج فيها الواقع بالخيال والماضي بالحاضر، والقريب بالبعيد، والممكن بالمحال، وعليه، تحفل المعلقة بفيض من البنى اللغوية التي ارتقت بلغة المعلقة إلى ما يمكن أن نطلق عليه بالهندسة اللغوية من حيث النحو والتصريف، وذلك من مبتدئها إلى منتهاها، فيبدو جليًا"كيف أن أولها مهادًا لثانيها، وأن أجزاءها تتابع في اتساق وبناء محكم" [1] ، ويرى مصلحي بأن لغة المعلقة لغة شعرية نموذجية فيها جدة هي المظهر الخارجي لجدة رؤية الشاعر للوجود، ولم يكن الشاعر يتصنع لغته، ولذلك جاءت مفرداته منغمة واسعة التركيب النحوي متطورة نحو الاكتمال، لأنها ذات علاقات وتماسك واضح، وهذا يؤدي إلى تكوين بنية لغوية قائمة بذاتها في القصيدة [2] ، فجمع كلمة الأطلال في افتتاحيتها يشي بقيمة فاعلة في تأسيس بنية التركيب وتوسيع دائرة الدلالة، وتعميق مرجعية هذا وذاك من قرائن التجربة وحركة الشعور، وما يسبق ذلك من ذكر اسم المحبوبة ولام التملك التي تعني إضافة الإطلال إليها [3] . ولنتأمل معًا تداعيات الألفاظ، وما يمكن أن تقودنا إليه من رصد لتموجات الحركة الشعورية التي ترفد لحظة إبداع المشهد، واستدعاء خيوط التجربة، لسوف نجد أن أول ما يتبادر إلى أذهاننا عند سماع لفظة"برقة"مشهد البرق الضوئي اللامع، وصورته الخاطفة، مع ما يقترن به من أصوات عنف الرعد، ثم تستثير"ثهمد"الظلال الدلالية للجذر اللغوي،"همد"الذي يعمي انكسار الحركة والقوة بعد فرط حيويتهما، فيتشكل من هذا وتلك هيئة الكشف والاستجلاء والتفجر التي يمكن اعتبارها قرائن تجربة الحب [4] . ويبادرنا الشطر الثاني بمدوده الطويلة التي في"بها"، و"أبكي"، و"أبكي"كأدوات تعبيرية تعكس حالته الشعورية، وانسيابية أحاسيسه.

(1) قراءة في الأدب القديم: هـ.

(2) معلقة طرفة بن العبد: 242.

(3) المعلقات العشر: 263

(4) نفسه: 264

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت