وتتعالق معاني الشاعر بألفاظه، فحضور ألفاظ"البحر"في ظل هذه التجربة الشعورية والمأساة العاطفية التي يعيشها، تعبير عن معاني الموت والقهر والخوف وربما السفر أو الذهاب بلا رجعة، والدخول في عالم مجهول. ويقوم هذا المقطع على تكريس الأفعال والضمائر لبيان تفوّق الأنا فقد قام هذا المستوى على التقابل بين ضمير المتكلّم المفرد (خلتُ/ عُنيتُ/ لستُ / تلاقني ... ) وضمير الغائب الجمع (القوم قالوا - يلتقي الحيّ ... ) من حيث: العدد والحضور والغياب في مقابل الهم (عكس الأنا) : فالأنا في حضورها في الأبيات أكثر من الهم (خلتُ - عُنيتُ - لم أكسل(أنا) - لم أتبلّد (أنا) - لستُ - أرفد (أنا) - تلاقني - لا ينكرونني) وذلك في مقابل الهم (القوم قالوا - يسترفد القوم - يلتقي الحيّ) ، والأنا (الشاعر) حاضر متى طلب منه الهم (قومه) التواجد. وأفعال الطلب من الجماعة"الهم"في مقابل أفعال الاستجابة من الشاعر"الأنا"في قوله"متى يسترفد ِ القومُ أرفد": فالجماعة"القوم"تقوم بالطلب لنفسها ولفائدتها"يسترفد القوم"بينما يقوم الشاعر بالفعل لنفسه ولفائدة غيره، ممّا يعني نكرانه لذاته لأجلهم"القوم"وبالتالي يعكس أفضليّته عليهم.
ومن وسائل الشاعر التعبيرية التي وظفها للتعبير عما يجيش في خاطره من مشاعر وأحاسيس تراكم سيل من الأضداد في أثناء المعلقة، وهي تعكس حالته النفسية غير المستقرة، ومنها، يجور ويهتدي في قوله:
عَدُولِيَّةٌ أَوْ مِنْ سَفِينِ ابْنِ يَامِنٍ ... يَجُوز بُهَا الْمّلاحُ طَورًا وَيَهْتَدِي [1]
وتروح وتغتدي، في قوله:
وَإِني لاُ مْضِي الَهمَّ عِنْدَ احْتِضَارِهِ ... بِعَوْجَاءَ مِرْقَالٍ تَرُوحُ وَتَغْتَدِي [2]
(1) ديوان طرفة بن العبد: 26.
(2) ديوان طرفة بن العبد: 27.