الصفحة 33 من 40

جاءت معلقة طرفة بن العبد على البحر الطويل، الذي عكس الحالة الشعورية التي كانت تلم بالشاعر، فلم يكن الشاعر لينظم قصيدة دون"شعور بخصائصه وموسيقاه، بل كان يعمد إليه، ويقصد إليه قصدًا" [1] . فأنى لطرفة أن يبدع ما أبدعه وأن يعبر ما عبر عنه في معلقته الرائعة دون البحر الطويل، استمع إلى دفقات قلبه وخلجات نفسه، في قوله:

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند [2]

فضلًا عن رغبة الشاعر في ركوب الصعاب وإثبات المكانة والريادة، فمعلوم أن الشعراء الكبار كانوا يؤثرون البحر الطويل على غيره كونه ميزانًا لأشعارهم، لا سيما في الأغراض الجليلة الشأن [3] .

يعد اختيار الشاعر لقافيته أحد أهم أركان الموسيقا والإيقاع في القصيدة الشعرية أيضًا، فحُسْن اختيارها يسبغ على القصيدة وموضوعها دفقات شعورية تتناغم وغرض الشاعر، وهي ما يمكن أن نطلق عليها أخت الوزن وربيبته، فهذه القافية هي التي تلفح روح القارئ منذ سماع البيت الأول من القصيدة. وجاءت قصيدة المعلقة بقافية الدال التي عدها النقاد واللغويون من القوافي الذلل، فهي من أحلى القوافي وأروعها.

هذا عن الموسيقا الخارجية، أمّا الموسيقا الداخلية في المعلقة فقد تشكلت موسيقا المعلقة من مستويات متعددة ابتداءً من الحروف مرورًا بالكلمات وانتهاء بالتراكيب. فمن التكرار الذي وظفه في بعض الحروف بما يخدم فكرة الشاعر والتعبير عن مشاعره، قوله:

وَصَادِفَتَا سَمْعِ التَّوَجُّسِ للسُّرى ... لِهَجْسٍ خَفِيٍّ أَوْ لِصَوْتٍ مُنَدِّدِ [4]

(1) أنيس: موسيقا الشعر 187.

(2) ديوان طرفة بن العبد: 36.

(3) أنيس: 191.

(4) ديوان طرفة بن العبد: 30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت