الصفحة 34 من 40

نرى هنا تكرار خمس سينات وصادين في كلمات متتابعة، فيها غلبة لأصوات الصفير المهموسة، والأصوات المرققة، وكأنها الموسيقا التصويرية المصاحبة لتشكيل الدلالة على نحو إيحائي، تتضافر فيه عناصر التشكيل الفني، وهي تعبر عن خفة السمع التي يتحدث عنها الشاعر، وتكرار التنوين ثلاث مرّات في عجز البيت أضفى تقسيمًا وتنغيمًا موسيقيًّا إضافيًّا. ومن ملامح التكرار الحرفي تكرار حروف اللام والميم والنون والياء:

فمالي أرَاني وَابْنَ عَمِّيَ مَالِكًا ... مَتَى أَدْنُ مِنْه يَنْأَ عَنِّي وَيَبْعُدِ

يَلُومُ ومَا أَدْرِي عَلاَمَ يَلُوُمني ... كما لامني في الحيّ قُرْطُ بنُ مَعْبدِ [1]

ومن التكرار الذي انتظم على مستوى المفردة تكراره لكلمات تنتمي إلى الجذر نفسه، كما في الكلمات:"يلوم/ لامني - معبد / معبد - غير/غير - معبد/ يبعد. كما يتجلى هذا التكرار وهذه الموسيقية في قوله:"

أَرَى قَبْرَ نَحّامٍ بَخَيلٍ بِمَاله ... كقَبْرِ غوِيِّ في البطالَةِ مُفْسِدِ

تَرَىَ جشوَتَيْنِ من تُراب عَلَيْهمَا ... صَفَائحُ صُمِّ من صَفيحٍ مُنَضَّدِ

أَرى اَلموت يَعْتامُ الكِرَامَ ويَصْطفي ... عَقِيَلةَ مَالِ الْفَاِحشِ اُلمتَشَدِّدِ

أرَى الْعَيْشَ كنزًا ناقصًا كلّ ليْلَةٍ ... وَمَا تَنْقُصِ الأيَّامُ وَالدّهرُ يَنْفَدِ [2]

إنها أربعة أبيات تمثل خواطر الشاعر في فلسفة الحياة والموت بأسلوب أدبي رفيع أضفى على المعلقة رونقًا وعذوبة وسلاسة، في ترديد قوله:"أرى"و"ترى"، فهو موقف الناصح. هذا عن التكرار الاشتقاقي، وهناك تكرار غير اشتقاقي تمثل على سبيل المثال في تكرار: لم / لم - لا / لا في كثير من

(1) ديوان طرفة بن العبد: 35.

(2) ديوان طرفة بن العبد: 34.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت