الصفحة 28 من 40

فإذا ابتسمت ضفّت عن أسنان بيضاء بين شفتين امتزجت فيهما حمرة الدماء بسمرة البشرة، فكأنك أمام أقحونًا منيرًا يتألق بين كثيب من الرمل المندى، نبت ونما على قمة ربوة من خالص الرمل، فوقف هنالك متفردًا يستأثر بما تخصه الشمس من دفء شعاعها ورعايتها، تلك الشمس الحذرة التي تستثني لثاتها من حرارتها مكتفية بشفيف الضوء التي يجعلها مشربة سمرة الكحل الخفيف، يجري على نسق واحد فلا يتفاوت أثره عليها جميعًا، أما وجهها فكأن الشمس أضفت عليه رداء حسنها وإشراقها، فصفا لونه، وبرئ من كل تغير أو تغضن [1] . مما تتسم به هذه اللوحة تراكم التشبيهات والصفات بدرجة لم نعهدها عند أي شاعر آخر، لذلك أجمع كثير من الباحثين والنقاد -كما سبق القول- في عدّ معلقة طرفة بن العبد بأنها لوحة إبداعية أو كلية ممتدة وموسعة. فمن التشابيه والصور التمثيلية والاستعارات التي أبدعها ووسع فيها لوحته الصورة التثميلية في قوله:

عَدُولِيَّةٌ أَوْ مِنْ سَفِينِ ابْنِ يَامِنٍ ... يَجُوز بُهَا الْمّلاحُ طَورًا وَيَهْتَدِي [2]

وانظر لجمال التشبيه ودلالته في قوله:

أَمونٍ كأَلْوَاحِ الإِرانِ نَسأتُها ... على لاحِبٍ كأَنّهُ ظَهْرُ بُرْجُدِ [3]

ومن تشبيهاته الأخرى:

كَأنَّ جنَاحَيْ مَضْرَحيِّ تَكَنَّفَا ... حِفافيهِ شُكّا في العَسِيبِ بِمسْرَدِ [4]

حيث شبهه ناقته بجناحي النسر وليس النسر كاملًا وخصوصًا الأبيض منه المتعفف عن أكل الجيف.

(1) المعلقات العشر: 268.

(2) ديوان طرفة بن العبد: 26.

(3) ديوان طرفة بن العبد: 27.

(4) ديوان طرفة بن العبد: 28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت