الذي يعتبر كأنه هدوء عام في المناخ اللغوي، أما التقديم والتأخير فكأنه تيار هوائي أو مائي أحدث خلخلة وارتباكا في الهدوء العام الذي كان مسيطرا فيما سبق، ومن الصحيح فعلا أن مجرد المخالفة ينبئ عن غرض ما، وأن هذا الغرض قد يكون توجيه التفات السامع إلى كلمة من الكلمات عن طريق إبراز هذه الكلمة إبرازا يتحقق عنه تأثير ما، وهي فكرة قررها (باسكال) حينما صرح بأن الكلمات المختلفة الترتيب يكون لها معنى مختلف، وأن المعاني المختلفة الترتيب يكون لها تأثيرات مختلفة.
إن طريقة رصف المفردات داخل الجملة تخضع لعدة عوامل نحوية وصرفية ودلالية وصوتية، والتركيز على أحد هذه العوامل يؤثر في عملية النسيج اللغوي تأثيرا مباشرا، تتحرك على أثره المفردات في حركة أفقية من أماكنها المرصودة لها، إلى أماكن أخرى ذات طبيعة تأثيرية متميزة، أي أن تحريك المفردات أفقيا إلى الأمام أو إلى الخلف له علاقة قوية بغائية الإبداع الفني، وبالعودة إلى معلقة طرفة بن العبد يبدو التقديم والتأخير من الظواهر الأسلوبية الواضحة عنده، ومن أشكاله، تقديم الخبر، و المفعول به، و الجار والمجرور:
وُقُوفًا بِهَا صَحْبي عَلَيَّ مطِيَّهُمْ ... يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أَسَىً وَتَجَلَّد [1]
وقوله:
يَشُقُّ حَبَابَ الَماءِ حَيْزُ ومُها بها ... كما قَسَمَ التِّرْبَ الْمَفايِلُ باليَدِ [2]
قوله:
وفِي الَحيِّ أَخْوَى يَنْفُضُ المرْدَ شادِنٌ ... مُظَاهِرِ سُمْطَيْ لُؤْلؤٍ وَزَبَرْجَدِ [3]
(1) ديوان طرفة بن العبد: 25.
(2) ديوان طرفة بن العبد: 26
(3) ديوان طرفة بن العبد: 26.