هذا ويشدَّد الشاعر على براءته من كلَِّ ذنب من خلال استخدام أسلوب النفي، الصريح كما في قوله:"على غير ذنب قلته"والضمني كما في قوله:"وما أدري علامَ يلومني". كما لجأ الشاعر لاستخدام الجمل الخبريّة؛ رغبة منه في إسناد الخصال الجليلة لنفسه، إضافة لكونه في مقام التقرير والإخبار عن ذاته فخرا وإشادة.
ومن الأساليب التعبيرية للشاعر مجيء التساؤل في:
فمالي أرَاني وَابْنَ عَمِّيَ مَالِكًا ... مَتَى أَدْنُ مِنْه يَنْأَ عَنِّي وَيَبْعُدِ [1]
مصورًا لمشاعر الحيرة والاستنكار والتحري الصادق للعلل الخفية وراء الموقف الذي يجسده من خلال أسلوب الشرط الذي صيغ صياغة فعالة إلى أبعد الحدود، إذ يتأسس على الاسم"متى"الذي يفيد التكرار والمحاولة والاطراد في الزمان، ثم يأتي فعل الشرط مسندًا إلى الذات من مادة الدنو الذي يحتم موقعه الوظيفي التقصير والقرب فيصير"ادنُ"بإيقاع هامس وأصوات محددة، نرى خلاله رقة المبادرة وحسن التوسل وشفافية الاقتراب في مقابل جواب الشرط، الذي جاء بفعلين ليدلان على معنى العنف وغلظ ردة الفعل، وجفوة الموقف المسند إلى ابن عمه، فضلًا عما يشف به الفعل يبعد من خفض المعنى وامتداده وابتعاده، فهذا تضافر صوتي دلالي يجسد الموقف النفسي والإيحاء بطبيعة العلاقات الاجتماعية التي يريد الشاعر بثها في هذا البيت [2] .
لكل شاعر أو أديب قدرة أو قدرات تظهر مدى براعته وقدرته على تملُّك زمام المفردات اللغوية، والسباحة في محيط النص الأدبي بما يضمن له حسن الوصول إلى قلب المتلقي، بما يحقق المتعة والفائدة بحيث لا يصدم بصخور المخالفات اللغوية، أو الولوج في شُعبِ الغموض والتيه، مما يفسر المقصد بما لا يريده صانعه. ويعتبر التقديم والتأخير من المسالك التي تدل على مهارة أديبنا، وقدرته على التفنن في استخدام المفردات والتراكيب، لأن فيه انزياح عن المألوف والمعتاد، وفيه تنشيط لذهن المتلقي، وتحفيز لحواسه للبحث عن الحركات اللغوية الطارئة، والمخالفة للسياق العام
(1) ديوان طرفة بن العبد: 35.
(2) المعلقات العشر: 306