الصفحة 7 من 40

ثم يكمل صورة الأطلال بمشهد الظعائن وهي تشق طريقها بين الوديان، مشبهًا إياها بالسفن التي تمور وتمخر عباب البحر، وكأننا أمام لوحة فنية تنساب فيها المشاهد انسيابًا بالحركة والصوت واللون.

كأنَّ حُدُوجَ الَمْالِكِيَّةِ غُدْوَةً ... خَلايا سَفِين بِالنَّوَاصِفِ مِنْ دَدِ

عَدُولِيَّةٌ أَوْ مِنْ سَفِينِ ابْنِ يَامِنٍ ... يَجُوز بُهَا الْمّلاحُ طَورًا وَيَهْتَدِي

يَشُقُّ حَبَابَ الَماءِ حَيْزُ ومُها بها ... كما قَسَمَ التِّرْبَ الْمَفايِلُ باليَدِ [1]

ويتمثل طرفة ببيئته الصحراوية ليصف محبوبته بوسائل الطبيعة المتحركة، فاستعار لمحبويته من البيئة أجمل ما فيها: استعار لها من الظبي عيونه، وشفتيه، وعنقه، وحركته ودلاله، مزوِّقًا إياها بعقدين نفيسين من اللؤلؤ والزبرجد، وكما أضفى على محبوبته جمال الأرض وحركتها فها هو يضفي عليها رونق الشمس وضوئها، فهي أي الشمس تعير محبوبته ضوءها وسناها، ولم يشأ أن يخرج عن منظومة الشعر الجاهلي في وصف بياض الأسنان ورصفها الحسن، غير أن الشمس أرخت رداءها فظل وجهها نقي اللون لا تشوبه تجاعيد ولا حرارة شمس فهي غضة بضة.

وفِي الَحيِّ أَحْوَى يَنْفُضُ المرْدَ شادِنٌ ... مُظَاهِرِ سُمْطَيْ لُؤْلؤٍ وَزَبَرْجَدِ

خَذُولٌ تُراعي رَبْرَبًا بِخَميلَةٍ ... تَنَاوَلُ أَطْرَافَ الَبريرِ وَتَرْتَدِي

وَتَبْسِمُ عَنْ أَلْمى كأَنَّ مُنَوّرًا ... تَخَلَّلَ حُرَّ الرَّمْلِ دِعْصٍ لَهُ نَدِ

سَقَتْهُ إِيَاُة الشَّمْس إِلا لِثَاتِهِ ... أُسِفّ وَلَمْ تَكْدِمْ عَلَيْهِ بإثْمدِ

وَوَجْهٌ كأنَّ الشَّمْسَ أَلفَتْ رِداءَهَا ... عَلَيْهِ نَقِيُّ اللَّوْنِ لَمْ يَتَخَدَّدِ [2]

(1) ديوان طرفة بن العبد: 26.

(2) ديوان طرفة بن العبد: 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت