الصفحة 16 من 40

ثم ينتقل إلى تشكيل لوحة صغيرة أخرى عمادها الكرم [1] ، يسردها على شكل حكاية، تثير حنق الشيخ الذي اتهمه السكر وغياب العقل، حين عقر ناقة ضخمة ذات ضرع، وطلب من القوم أن ينأوا بالإبل دونه حتى لا يعقرها ويقترب منها، لكنه أكمل المشهد بصورة الجواري وهن يتمعتن بأطاييب الشواء.

وبَرْكُ هُجُودٍ قَد أَثَارتْ مَخَافتي ... بَوَادِيَهَا، أَمشِي بِعَضْبٍ مُجَرَّدِ

فَمرّتْ كَهاةٌ ذَاتُ خَيْفٍ جُلالَةٌ ... عَقِيلَةُ شَيْخٍ كَالوَبيلِ يَلَنْدَدِ

يَقُولُ وقَدْ تَرّ الوَظِيفُ وَسَاقُهَا ... أَلَستَ تَرى أَن قَد أَتَيْتَ بمؤْيِدِ

وقَالَ، ألا ماذَا تَرَوْنَ بِشَارِبٍ ... شَدِيدٍ عَلَيْنا بَغْيُهُ مُتَعَمِّدِ

وقَالَ، ذَرُوهْ إِنَّما نَفْعُها لَهُ ... وإِلاّ تكُفّوا قاصيَ الْبَرْكِ يَزْدَدِ

فَظَلّ الإِماءُ يَمْتَلِلْنَ حُوَارَهَا ... وَيُسْعَى بها بالسّديفِ اُلمسَرْهَدِ [2]

ولما فرغ من صُور الفخر وتعداد مكارمه وصفاته طلب من ابنة عمّه أن تشق الجيب على موته، ولا تجعل موته كموت رجل آخر، لأنه يستحق ما لا يستحقه الرجال الآخرون فهم لا يبارونه شجاعة وإقدامًا وكرمًا وحكمةً. فطرفة همته عالية، ويده قوية، وهدفه نبيل، لا يقترف الأخطاء ولا يقبل الظيم والذل.

فإِنْ مِتُّ فانْعِيني بِما أنَا أَهْلُةُ ... وَشُقِّي عَلَيَّ الَجَيْب يَا أبْنَةَ مَعْبَدِ

وَلا تَجْعَلِيني كامرِئٍ لَيْسَ هَمُّهُ ... كهَمِّي وَلا يُغْنِي غَنائي ومَشْهَدِي

بَطِيءٍ عَن الُجْلَّي سَرِيع الى الخَنا ... ذَلُولٍ بأَجماعِ الرِّجَالِ مُلَهَّدِ

فَلوْ كُنْتُ وَغلًا في الرِّجالِ لَضَرَّني ... عَدَاوَةُ ذِي الأَصْحَابِ وَالُمَتوَحِّدِ

ولكِنْ نَفَى عني الرِّجالَ جَراءَتي ... عَلَيْهِمْ وَإِقْدَامِي وَصِدْفي وَمحْتَدِي

(1) يبدو أن هذه اللوحة قد سقطت من بعض نسخ الديوان ومصادر الشعر الجاهلي الأمر الذي دفع الدكتور عبد الحق الهواس أن يطلق عليها باللوحة الضائعة ويقيم كتابًا للبحث فيها وربطها ببنية القصدية الجاهلية. انظر: اللوحة الضائعة في معلقة طرفة بن العبد، د. عبد الحق الهواس.

(2) ديوان طرفة بن العبد: 37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت