فلمَ المزاحمة على الحياة؟ فسهم الموت إن أصاب أحدًا فلن يفارقه، إنها أبيات تعبر عن نفس رغبت عن الحياة، إنها أبيات أربعة تمثل خلاصة فكره وفلسفته، استهلّ الأربعة الأولى منها بأرى وترى، واختتمها بقسم يقيني بأن الفناء مصير أي فتى.
أَرَى قَبْرَ نَحّامٍ بَخَيلٍ بِمَاله ... كقَبْرِ غوِيِّ في البطالَةِ مُفْسِدِ
تَرَىَ جشوَتَيْنِ من تُراب عَلَيْهمَا ... صَفَائحُ صُمِّ من صَفيحٍ مُنَضَّدِ
أَرى اَلموت يَعْتامُ الكِرَامَ ويَصْطفي ... عَقِيَلةَ مَالِ الْفَاِحشِ اُلمتَشَدِّدِ
أرَى الْعَيْشَ كنزًا ناقصًا كلّ ليْلَةٍ ... وَمَا تَنْقُصِ الأيَّامُ وَالدّهرُ يَنْفَدِ
لَعَمْرُكَ إِنّ اَلموَتَ مَا أَخْطأَ الْفَتى ... لكَالطَّوَلِ اُلمرْخَى وثِنْيَاهُ بِاليَدِ [1]
ويصل شاعرنا إلى بيت القصيد، وذروة المعلقة، وغرضها الأساس، وهو خلافه مع ابن عمّه مالك، الذي يتودد إليه ويقترب منه إلا أن ابن عمه يصده وينأى عنه، بدون ذنب اقترفه أو خطأ قام به، كل ذلك بسبب طلبه معاونته في رد إبل قد أخذت منه، بل وعيره بانصرافه إلى حياة المجون والشرب والخروج على تقاليد القبيلة، ويبدأ المقطوعة الشعرية بالاستفهام الاستنكاري الذي ينبئ عن غرابة الموقف وتداعياته، ويَسْتغرب منه ومن قبيلته كيف يُهجى ويُطرد ويُشكى، ويُعامل بسوء، ويضيف بأنه لو طلب تلك المساعدة والعون من الغرباء لأجيب سؤْله ونُفِّذ طلبه. ويقرر بعدها حكمة أبدية ما زالت تجري على ألسنة الناس، بأن ظلم الأقارب أشد وقعًا في النفس من ضرب السيوف. ويختم طرفة مقطوعته هذه بأفول نجم سعده، وبزوغ نجم نحسه، وإيمانه بقلة حظه.
فمالي أرَاني وَابْنَ عَمِّيَ مَالِكًا ... مَتَى أَدْنُ مِنْه يَنْأَ عَنِّي وَيَبْعُدِ
يَلُومُ ومَا أَدْرِي عَلاَمَ يَلُوُمني ... كما لامني في الحيّ قُرْطُ بنُ مَعْبدِ
وأَيْأَسَنيِ من كل خَيْرٍ طَلَبتُهُ ... كأنَّا وَضَعنَاهُ إِلى رَمْسِ مُلْحَدِ
على غَيْرِ شيءٍ قُلْتُهُ غَيْرَ أَنَّني ... نَشَدْتُ فلم أُغْفِل حَمولَةَ مَعْبَدِ
وَقَرّبْتُ بالقُرْبَى وَجدَّكَ إِنَّني ... متى يَكُ أَمْرٌ لِلنّكيثَةِ أَشْهَدِ
وإِنْ أُدْعَ للجُلىَّ أَكنْ مِنْ حُماتِها ... وإِنْ يَأَتِكَ الأَعْدَاءُ بالجَهْدِ أَجْهَد
(1) ديوان طرفة بن العبد: 35.