الصفحة 13 من 40

وبعد هذه التقديم والتشريح لنفسيته وطبيعته وجبلّته، يشرع في تقديم نظرياته الفلسفية مبتدئًا بتشريح علاقته مع قبيلته مبينًا أسباب اعتزاله لها، مفتخرًا ومعتدًا برؤيته الجديدة للحياة، التي تقوم على ثلاثة مبادئ: الخمر والمرأة وقبيلته. فهو يعشق الخمر ويدعو الناس لشربها معه، على أنغام غناء القيان الشجي، وإيقاع الموسيقا ورقص الجواري، فالخمر والنساء وسائل المتعة في الحياة لأنها زائلة، وهي في رأيه لا تعوقه عن خدمة قبيلته والذود عن حياضها، هذه المبادئ الثلاثة جعلته يشعر بطمأنينة النفس وسكون الروح، فشرع يجادل الناس في فلسفة الوجود والحياة والموت. ولا يأبه بموقف عشيرته منه ونبذه لهم نبذ البعير المصاب بمرض معدٍ، لأن قناعته بها لا تتزحزح وإيمانه لا يلين، فهو كريم وقت الكرم، شجاع وقت الحرب، لعوب وقت المرح.

وَمَا زالَ تَشْرابي الُخْمورَ وَلَذَّتي ... وَبَيْعِي وَإِنْفَاقي طَريفي وَمُتْلَدِي

إِلى أَنْ تَحامَتْني الْعَشيرَةُ كُلّهَا ... وَأُفْرِدْتُ إِفْرَادَ الْبَعِيرِ الُمعَبَّدِ

رَأَيتُ بَنِي غَبْراء لا يُنْكِرُونَني ... وَلا أَهْلُ هذاكَ الِّطرافِ الُممَددِ

ألا أيهذا اللائمي أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي

فإِنْ كنتَ لا تسْتطِيعُ دَفْعَ مَنِيَّتي ... فَدَعْني أبادِرْهَا بِمَا مَلَكَتْ يَدِي

ولَولا ثَلاثٌ هُنَّ من عيشةِ الْفَتى ... وَجدِّكَ لم أَحفِلْ مَتى قامَ عُوْدي

فَمِنْهُنّ سَبْقِي الْعاذِلاتِ بِشَربَةٍ ... كُمَيْتٍ متى ما تُعْلَ باَلماءِ تُزْبِدِ

وَكَرِّي إِذَا نادَى اُلمضافُ مُحَنَّبًا ... كَسِيدِ الْغَضا نَبّهْتَهُ الُمتَوَرِّدِ

وَتقصيرُ يوم الدَّجنِ والدجنُ مُعجِبٌ ... بِبَهْكَنَةٍ تَحْتَ الخِباءِ الُمعَمَّدِ

كَأَنّ الْبُريَنَ وَالدَّماليجَ عُلِّقَتْ ... على عُشَرٍ أو خِروَعٍ لم يُخَضَّدِ

فذرني أروّي هامَتي في حياتِها ... مخافةَ شِربٍ في الحياة مٌصرَّدِ

كَرِيمٌ يروِّي نَفْسَهُ في حَيَاتِه ... سَتَعْلَمُ إِن مُتْنا غَدًا أَيّنا الصدي [1]

ويتقدمُ طرفة في تقديم نظرته وفلسفته في الحياة خطوة أخرى للأمام حيث يباشر بنشرها والدعوة إليها، فالموت لا يفرّق بين قبر رجل حقير، ورجل كريم عظيم، كلاهما يعلوه التراب والحجارة

(1) ديوان طرفة بن العبد: 24

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت