الصفحة 29 من 39

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:"والقول بأن الحالف بالطلاق لا يلزمه الطلاق مذهبُ خَلق كثير من السلف والخلف، لكن فيهم من لا يلزمه الكفارة؛ كداود وأصحابه، ومنهم من يلزمه كفارة يمين؛ كطاووس وغيره من السلف والخلف".

وقال شيخ الإسلام في موضع آخر - بعدما ذكر الأقوال في المسألة - قال:"وإن كان مِن الناس مَن يدعي الإجماع في بعضها، فهذا كما أن كثيرًا من مسائل النزاع يدَّعِي فيها الإجماع من لم يعلم النزاع، ومقصوده: أني لا أعلم نزاعًا، فمن علم النزاع وأثبته كان مثبتًا عالِمًا، وهو مقدم على النافي الذي لا يعلمه باتفاق المسلمين، وإذا كانت المسألة مسألة نزاع في السلف والخلف، ولم يكن مع من ألزم الحالف بالطلاق أو غيره نص كتاب ولا سنة ولا إجماع، كان القول بنفي لزومه سائغًا باتفاق الأئمة الأربعة وسائر المسلمين"؛ اهـ.

وقال في موضع آخر:"وقد علم أنه ليس فيه إجماع".

دليل القول الثاني - القائل بأنه لا يلزمه شيء:

قالوا بأن هذه أيمان غير شرعية، ليس عليها أمر الله ولا أمر رسوله، فتكون لاغية.

ويناقش هذا الدليل: بأنه لا يلزم من ذلك عدم وجوب كفارة اليمين؛ كما سيأتي في أدلة القول الثالث.

أدلة القول الثالث - الذي يرى وجوب الكفارة في ذلك:

1 -قول الله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 89] .

قال ابن القيم:"فهذا صريح في كل يمين منعقدة، فهذا كفارتها .. فالواجب تحكيم هذا النص العام والعمل بعمومه حتى يثبت إجماع الأمة إجماعًا متيقنًا على خلافه".

2 -قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [التحريم: 1، 2] .

وجه الدلالة: أن قوله تعالى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2] نص عام في كل يمين يحلف بها المسلمون أن الله قد فرض لها تحلة، لم تخص منه صورة لا بنص ولا بإجماع،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت