عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا الآية/53. فأراد (بالعذاب) : الفرات الذي ورد بعده في السياق، فالماء العذب هو كل ماء سارح بين الناس، أما المالِح فهي المياه التي لا تجري، وقد خلقها-سبحانه- مالحة؛ لئلا يحصل نتن الهواء بما يموت فيها من الحيوان فيفسد الوجود بذلك (66) .
وجعل بينهما برزخًا وحاجزًا من طبيعتهما التي فطرها الله، حافظًا بتلك الطبيعة العذب من أن يكدره الأُجاج، فمجاري الأنهار غالبًا أعلى من سطح البحر، فضلًا عن أنَّ النهر العذب هو الذي يصب في البحر الِملح، ولا يقع العكس إلا شذوذًا (.(67)
أمّا قوله تعالى الثاني فهو من سورة فاطر (: {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَبُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} الآية /12، فذهب ابن عاشور(68) إلى أنَّه أريد بالتركيبين مُلتقى ماء نهري دجلة والفرات مع ماء بحر الخليج، وهو الخليج العربي.
اليَنْبُوع (يَفْعُول) ، وقد اشتُق من مادة (نَبَعَ) ، إذ يقال نَبَعَ الماء نَبْعًا ونُبُوعًا: خَرَجَ من العين، ولذلك سمّيت العين يَنْبُوعًا والجمع يَنَابيع. (69) ويذكر ابن فارس (70) أنَّ: (( النون والباء والعين: نُبُوع الماء، والموضع الذي يَنْبُعُ منه: يَنْبُوع ... ومنابِع الماء: مخارجه من الأرض ) ).
وقد ربط الراغب بين دلالة (اليَنْبُوع) و (العَيْن) ، فسَّوى بينهما، إذ ذكر أنّ: (( الينبُوع: العين الذي يخرج منه الماء، وجمعه ينابيع ) )، فهو إذن: العين الغزيرة التي من شأنها أن تنبع بالماء وتفور ولا تقطع (71) ، وعلى هذا (فاليَنْبوع) هو أيضًا ماء ينفجر من الأرض ويكون منبعه غزيرًا، إذ يقال: (( نَبَعَ الماء ونَبِعَ ونَبُعَ، ويَنْبِعُ ويَنْبَعُ ويَنْبُعُ، نَبْعًا ونُبُوعًا: تفجَّر، وقيل: خرجَ من العين، ولذلك سمَّيت العين يَنْبوعًا ) ) (72) . وقد ورد الينبوع على زنة (يَفْعُول) فأفاد المُبالغة في خروج الماء، للدلالة على كثرته وغزارته. فهو من نَبَعَ الماء، أي: ظهر وتجمع وفار (73) فالينبوع إذن: اسم للعين الكثيرة النبع التي لا ينضب مائها، بصيغتها الدالة على المبالغة غير القياسية (74) .
أمّا في القرآن الكريم، فقد وردت مادة (نَبَعَ) بالصيغة الاسمية المفردة والمجموعة، حاملةً نفس دلالتها اللغوية الأصلية مرتين (75) ، فوردت الصيغة المفردة (يَنْبوع) بزنة (يَفْعول) في قوله تعالى: وَقَالُوا لَنْ