ومُتوسعٍ في شيءٍ، يقال: اسْتَبْحَرَ فُلانٌ في العِلم، وتَبَحَّر فُلانٌ في المال، وتبحَّر الراعي في رعيٍ كثيرٍ (53) . أمّا في القرآن الكريم، فقد وردت مادة (بَحْر) اثنين واربعين مرةً (54) ، بدلالات مختلفة هي: البحر المعروف الذي هو (خلاف البَرّ) ، والماء العذب والماء المِلْح، والعامر من البلاد (55) ،وهو خلاف البر سمي بذلك لعمقه واتساعه، وقد غلب على الملح حتى قل في العذب، وجمعه أبحر وبحور وبحار. وماء بحرٌ: ملح، قل أو أكثر ... وا?نما سمي البحر بحرًا لسعته وانبساطه ... وقد أجمع أهل اللغة أن اليم هو البحر. وجاء في الكتاب العزيز: {فألقيه في اليم} (القصص 5، قال أهل التفسير: هو نيل مصر. أما قوله تعالى: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} (المائدة 103 قيل: البحيرة من الإبل: التي بُحرت أذنها أي شقت طولا ويقال: هي التي خليت بلا راع(56) وقد ورد تعبير مكاني قائم على وصف عنصر هام من عناصر المكان القريبة وهو (الماء) ، التركيبان (عذبٌ فرات) و (ملحٌ أجاج) فالتركيب الأول (عذب فرات) يبدأ باسم وهو (عَذْب) المشتق من الفعل (عَذُبَ) ، فيقال: عَذُبَ الماءُ يَعْذُبُ عُذْبَةً، فهو عَذْبٌ طيِّبٌ، إذا استسيغ، والعَذْبُ ضد المِلح، ويُجمع على عَذَاب، أما (العُذَيب) فهو اسم موضع (.(57) ، ومن المجاز قولهم: أعْذَبَ القوم، أي: صار لهم ماءٌ عَذْبٌ (، وهم يستعذبون الماء، أي: يَسْقُونه ويَشْرَبُونه عَذْبًا(58) ،أما (الفرات) فهو: الماء الشديد المُبالغ في عذوبته (59) ، و (الفرات) صِفةٌ لِعَذْب، وهو لفظٌ يقال للواحد وللجمع على السواء (60) ،أمّا التركيب الثاني (ملحٌ أجاج) فيراد به: الماء الذي تغير طعمه، وقد مَلُحَ الماء أمْلَحَ (، ولا تقول العرب: ماءٌ مالِحٌ إلاّ في لغة رديئةٍ(61) أما (الأُجاج) فأصله من (أجَّ) ، وهو صفة للمِلح (62) ، وقد قيل في معناه أقوال عدة: الأول: هو الماء المتوهج حرارةٍ، من قولهم: تأجَّجت النار، وائتجَّ النهار (63) ،والثاني: هو الماء الشديد الملوحة، والثالث: هو الماء الشديد المرارة، بسبب كثرة ملوحته. (64) .
وفي ضوء ما تقدم، يمكن عدّ قول أبي عبيده (65) : (( الفرات: أعذب العذب، والأُجاج: أملح المُلوحة ) )قولًا مُختصرًا في توضيح معناهما العام.
وفي الاستعمال القرآني، ورد التوظيف المكاني من خلال اللفظين بنصين، إحداهما قوله تعالى في سياقٍ تنبيهي على قدرته العظيمة في خلقه الأشياء المختلفة، حيثُ شُبه (لعذب الفرات) بالإيمان في القلوب، وشُبه (الملح الأُجاج) بالشرك في قوله جلَّ شأنه من سورة الفرقان: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا