الصفحة 13 من 30

ثالثا: الحديقة

: الحديقة"الحاء والدال والقاف أصل واحد، وهو الشيء يحيط بشيء ... الأرض ذات الشجر و (الحديقة) فهي اسم بزنة (فَعِيلَة) مشتق من الفعل الثلاثي (حَدَقَ) ، وقد حدّد ابن فارس أصله ودلالته بقوله: (( الحاء والدال والقاف أصلٌ واحدٌ، وهو: الشيء يحيط بشيءٍ ) ) (39) ، وقد ورد في اللغة: أنّ الحديقة هي: (( البستان من النخل والشجر عليه حائط ) )) (40) ، فتدل إذن على: البستان المحُاط بالحوائط."

أمّا في الاستعمال القرآني (41) ، فقد وردت مادة (حَدَقَ) اسمًا بصيغة واحدة هي (فَعَائِل) (حَدَائِق) وهي صيغة جمع التكسير، مفردها (حديقة) ، حاملةً دلالتها اللغوية الأصلية في ثلاثة مواضع، أحدها قوله تعالى {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} النمل /60،والثاني قوله تعالى من سورة عبس) {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا} الآية /25 - 30.

فقد حملت لفظة (حَدَائِقَ) في هاتين الآيتين الكريمتين معنى (الحدائق الدنيوية) .فإذا دققنا النظر في سياق الآيتين، لتبين لنا أنّ الله تعالى قد سبق إنبات تلك الحدائق بالسبب الذي أدّى إلى حدوث المسبب وهو (الإنبات) ، ويتجلَّى ذلك السبب بإنزال الماء من السماء بقوله عزّ شأنه من سورة النمل {أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} ، وقوله من سورة عبس: {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا} . فدل السياق على أنّ المُراد (بالحدائق) في الموضعين: حدائق الدنيا، وهي البساتين، وذلك بنزول ماء من السماء على الأرض وهي بالتعبير القرآني ذات (بهجة) ، أي أنها: نضرة بهيجة فرحة حية، تبهج العين برؤيتها والأذن بتغريد طيرها، والأنف بعبير أزهارها، واليد بلمس ثمارها، فيها من الألوان والأحجام والأنواع ما لا تبدعها لوحة واحدة جميلة تحس بها الوجدان والمشاعر، هي أقرب أن تكون طبيعية تروى بماء الأمطار.

أمّا الموضع الثالث الذي وردت فيه لفظة (حدائق) فهو قوله تعالى من سورة النبأ الآيات / 31 - 34، {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا * وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا * وَكَأْسًا دِهَاقًا} فسياق الآية يخبر عن السُعداء الفائزين بالجنة بما أُعد لهم من الكرامة والنعيم المقيم في دار البقاء، فقد فسّر السياق لفظة (حدائق) ، فجاءت دالةً على الحديقة الأخروية التي سُمّيت (الجنَّةَ) في مواضعٍ أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت