المشهد الطبيعي التصويري: (( بهولِ الطبيعة الصامتة، والموج يطغى على الذرى بعد الوديانِ، وهول النفسِ البشرية، وتلكَ سمةٌ بارزةٌ في تصوير القرآن ) ) (20) ،وقد وردت لفظة (جبل) في القرآن الكريم بدلالات متعددة منها (21) الدلالة على ذلك العنصر العظيم من عناصر الطبيعة الصامتة وهو الجبل بعينه، في مواضعٍ عدة، منها قوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَدًا * وَالْجِبَلَ أَوْتَادًا} النبأ /6 - 7.، ووردت أيضًا بمعنى (البَرَد) ، مرادًا بها تصوير كثرته) (22) في قوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ} النور /43. وقد دلّ سياقها على عجز الإنسان وقهر المُتكبر وعدم مساواته للجبال بطوله وذلك في قوله تعالى من سورة الإسراء (: {وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} الآية /37. ومن الجبال وطرقها المذكورة في القرآن:
هذا العنصر الطبيعي الضخم المرتفع عاليًا بشموخ في السماء غير أنَّ في (الرواسي) عنصرًا دلاليًا إضافيًا على (الجبال) ، وفي (الجبال) عنصر دلالي إضافي على (الرواسي) . ويتجلى ذلك في أنَّ (الرواسي) جمع (راسِيَة) وأصلها من الفعل (رَسَا) الذي مضارعه: (يَرْسُو) ، ويُراد بها: الثابت (23) ، يقال في اللغة: (( رَسَا الجبل يَرْسُو: إذا ثبت أصله في الأرض ) ) (24) ، ومثل ذلك قولهم: (( رَسَا الشيءُ يَرْسُو رُسُوًّا وأرسى: ثَبَتَ ... والرَّواسي من الجبال: الثوابت الرواسخ ) ). (25) فهذا يعني أنَّ (الرواسي) قد أفادت معنى الثبات، ذلك أنَّ كل ما في الطبيعة قد يصيبه التصدع أو الزوال في الدنيا، إلاّ الجبال فإنها ثابتة بقدرة الله تعالى. وإذا أصابها شيء، فيسير بالقياس إلى ضخامتها. وقد علّل القرآن هذا الثبات بقوله جلّ ثناؤه: {وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} النحل /15، لقمان /10، أي: ألقى فيها جبالًا رواسي عالية وثابتة (26) ، لئلا تضطرب، لأنَّ المَيْد هو: الحركة الشديدة والاضطراب، إذ يقال: (( مادَ الشيء يميدُ ميدًا: تحرّكَ وتمايل ) ). (27) ، ويُلحظ أنهّ سبحانه عَبّر عن إيجادها بالإلقاء، وقد علل الطاهر بن عاشور (( 28) ذلك بأنًّ (( هذه المخلوقات لما كانت مجعُولةً كالتكملةِ للأرض، وموضوعةً على ظاهرِ سطحها، عُبرَّ عن خلقها ووضعها بالإلقاء الذي هو رمي الشيء على الأرض ) ). وقد وردت لفظة (رواسي) في القرآن الكريم في عشرة مواضع (29) ، حاملةً دلالة: على الجبال الثوابت، مختلفة في صنيعها، فوردت بصيغتين حاملةً الدلالة اللغوية نفسها.
إحداهما: ورودها فعلًا ماضيًا (أرْسَاها) ، وذلك في قوله تعالى: {والجِبالَ أرسها} النازعات /32.