فبناءًا على ما ورد آنفًا، يمكن ملاحظة التناظر الدلالي القائم بين ألفاظ الطبيعة القريبة الصامتة (جنَّة) و (بستان) و (حديقة) ؛ لما بينها من جامعٍ حسّي وهو وجود الشجر الكثير فيها، مع تفاوته في المقدار والنوع، فهذا وجه التشابه.
أمّا من حيث الاختلاف، (فالحديقة) تختلف دلاليًا عن (الجنَّة) ؛ من حيث إنّ (الجنَّة) تدل على مكان الأشجار المُثمرة الكثيرة والكثيفة، فإذا قلَّت تلك الأشجار المُثمرة فهي (حديقة) وليست (الجنَّة) . ولذلك قال أبو علي النحوي في (التذكرة) : (( لا تكون الجنَّة في كلام العرب إلاَّ وفيها نخلٌ وعنبٌ، فإن لم يكن فيها ذلك، وكانت ذات شجرٍ فهي حديقة وليست بجنَّة ) ) (42) .
أمّا (البستان) ، فإنَّ كُل حديقة هي بُستان، مع وجود فارقٍ دلاليٍ بينهما، وهو وجود (الحائط) أو السياج الذي يُحيط بالحديقة، فكل بستان أُحيط بحائط كان حديقة. وقد اشتقت من الإحداق وهو الإحاطة (43) ،فأطلقوا عليها تلك التسمية؛ (( لإحداقهم حائطًا يمنع الداخل إليها؛ صونًا للعنب؛ لأنّه ليس كالنخل الذي يُعسر اجتناء ثمره لارتفاع شجره، فهي بمعنى(مُحْدِقٍ بها) . ولا تُطلق الحديقة إلاَّ على ذلك )) (44) فإن لم يُكن مُحاطًا لم يُقل إنّه (حديقة) بل ُيقال (ُبستان) (45) وللجرجاني) (46) رأي يُفرق فيه بين (البستان) و (الحديقة) ، إذ يرى أنَّ (( البُستان هو ما يكون فيه نخيل متفرقة تُمكن الزراعة وسط أشجاره. فإن كانت الأشجار مُلتفة لا يُمكن الزراعة وسطها، فهي: حديقة ) )، آخذًا بنظر الاعتبار كثافة الأشجار في تحديد مفاهيم الألفاظ إنها أماكن المتعة والجمال، والترويض والفرح والابتهاج، وشكل من أجمل أشكال الإنبات الذي سببه ماء السماء المأمور بالنزول.