المطلب الثالث
صور التغرير، وأنواعه
تتعدد أنواع التغرير وصوره، وسنشير إلى أهمها على النحو الآتي:
الزواج بنية الطلاق:
إذا تزوج الرجل المرأة وفي نيته طلاقها بعد أجل معلوم له، ولم تعلم به الزوجة أو وليها فهو نكاح يتعارض مع مقاصد الشريعة في النكاح، ويعد صورة من صور التغرير للزوجة وأوليائها، والزوج آثم شرعا بهذه النية، وإذا نفذ ما نوى ترتبت أحكام التغرير المقررة شرعا؛ لأن الضرر يدفع ويرفع بقدر الإمكان شرعا وعقلا وواقعا، وهل يقع هذا النكاح صحيحا ابتدأ أم لا؟
ذهب جماهير الفقهاء ومنهم الحنفية والشافعية والحنابلة ورواية عن الإمام مالك والظاهرية إلى عدم وقوع الطلاق بكلام نفسي، أو نوى الرجل طلاق امرأته ولم ينطق به (22) ، ودليلهم ما ثبت عن أبي هريرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: قال الله عز وجل: إذا هم عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة فإن عملها كتبتها عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف وإذا هم بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه فإن عملها كتبتها سيئة واحدة. (23)
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به. (24)
والأدلة واضحة في ترتب الإثم على من عزم على المعصية بقلبه ووطن نفسه عليها، ولا يترتب عليها أثر ما لم تترجم نيته بقول أو عمل؛ لأن التكليف بالنية المجردة تكليف بما لا يطاق شرعا وعقلا وواقعا. (25)
وروي عن الزهري، ورواه أشهب عن الإمام مالك أنه طلاق (26) ، واحتجوا بما ثبت عن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إنما الأعمال بالنية وإنما لامرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه." (27)