الصفحة 9 من 34

أمرٌ لم أسمع به قبل اليوم، فلستُ بقاضٍ أمرًا حتى أحدث به أبا طالب، فكره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يفشي عليه سره قبل أن يستعلن أمره، فقال له: يا علي، إذ لم تسلم فاكتم .. )) [1] .

ثم كانت دعوته صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصِّدِّيق؛ إذ إن أبا بكر كان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، وكان يعلم من صدق النبي صلى الله عليه وسلم وأمانته وحسن سجيته وكرم أخلاقه ما يمنعه من الكذب على الخلق، فكيف يكذب على الله؟ فأسلم معه وصدقه.

وصار على نفس السجية أبو بكر الصِّدِّيق - رضي الله عنه - في الدعوة،"فجعل لما أسلم يدعو إلى الله وإلى الإسلام من وثِق به من قومه، ممن يغشاه، ويجلس إليه .." [2] .

إشارة

أهمية التركيز في التخطيط، وعدم التخبط والتعجل؛"فمن تعجَّل الشيء قبل أوانه، عوقب بحرمانه"، والبحث عن الوسائل والبدائل في ذات الوقت لإعداد خطة إستراتيجية محكَمة تكون أساس نجاح تلك الخطة.

إن الحالة التي تزامنت مع دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الفترة، صاحَبَها سرية تامة، استمرت ثلاث سنوات، وقد اعتبرتها بمثابة الخطة الإستراتيجية القصيرة المدى؛ إذ إن الأمر بالنسبة لقريش وسواهم من المشركين محدَث، ويخالف ما عرف بداهة، وهذا ما تلمسه عند من وضع خطته الإستراتيجية المكتوبة، فكثير من أقرانه يتعجبون من ذلك، ولا يجدون مبررًا له، بينما هو عاكف على أمره، يرسم ويخطط ويجتهد في تحقيق أحلامه واحدًا تلو الآخر، حتى يقول له من استهجن أمره بداية: كيف وصلت لهذا؟!

"ولا شك أن المتابع لسير الدعوة، وللكيفيات التي واجه بها النبي صلى الله عليه وسلم الواقع، وحرَّك بواسطتها الأحداث من حوله - يلاحظ أن خطواته صلى الله عليه وسلم كانت مضبوطة ومنسقة ومدروسة، لا مكان فيها للعفوية والارتجال وسوء التقدير؛ لأنها تصدر عن"

(1) ابن كثير، إسماعيل، السيرة النبوية، بيروت، دار المعرفة، 1396 هـ - 1976 م، ج الأول، ص 428.

(2) الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، القاهرة، المكتبة التوفيقية، 1422 هـ، ج الأول، ص 80.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت