أقصى قعر في جهنم لأنها طبقات، فالدرج إذا كان بعضها فوق بعض والدرك إذا كان بعضها أسفل من بعض [1] .
والأمر المذهل هو أن المنافق أشد عذابًا من الكافر لأنه مثله في الكفر وأضاف إليه نوع آخر من الكفر وهو الاستهزاء بالإسلام وبأهله، وبسبب أنهم كانوا يظهرون الإسلام فيمكنهم الإطلاع على أسرار المسلمين ثم يخبرون الكفار بذلك فكانت تتضاعف المحنة من هؤلاء المنافقين، فلهذه الأسباب الواقعة والحقيقية جعل الله عذابهم أزْيَدَ من عذاب الكفار.
إضافة إلى أنهم لن يجدوا نصيرًا وهذا تهديد لهم وإنذار لغيرهم كما أسلفنا، والآيات القرآنية بحقهم كثيرة جدا وواضحة.
أما أصحاب السيئات فهم يجتمعون معهم في نار جهنم كما أخبر الله سبحانه وتعالى فقال: {وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس: 27] .
واُغشيت: يعني أُلبست قطعًا من الليل، أي سوادًا من الليل مظلم والعياذ بالله جزاء سيئاتهم ومعاصيهم واستمرارهم عليها وامتناعهم عن التوبة والندم، وهؤلاء أحاطت بهم خطيئاتهم كما قال - تعالى: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا ... خَالِدُونَ} [البقرة: 81] .
ويدخل فيهم كل من خرج عن أوامر الله سبحانه واتّبع هوى نفسه وابتعد عن حبله المتين وصراطه المستقيم، ولم يحذر مما حذَّر الله منه ولم يُنذَر مما أنذر الله به واستهان بذلك كله، وهكذا يدخل فيهم كل عاص مستكبر كمانعي الزكاة مثلًا وآكلي أموال الناس بالباطل، والأشقياء، وكذلك الذين ركنوا إلى الظلمة والمجرمين الذين نصروا هؤلاء بإجرامهم وسفكهم بل حتى الفسقة والمسرفين، وخير دليل على كل هذا هو تصويره سبحانه لآيات القرآن التي وقفنا عند بعضها تجنبًا الإطالة كتصوير الله لمصير الأقوام التي كفرت واستهانت بإنذار أنبيائها، وكتصوير الله - تعالى - لفرعون ومصيره تحذيرًا وإنذارًا لأمثاله، وكعرض الله للمشاهد المخيفة المهولة لنار جهنم، وتكلمه بنظم دقيق عن الصنوف المختلفة من العذاب في آياته الكريمة كشَويِ الوجوه وغلي البطون وأنواع
(1) ينظر التفاسير.